سر حمايا ل نور محمد

لمحة نيوز

أنا اسمي أمل، لما اتجوزت حسن كنت لسه بنت صغيرة، داخلة على الدنيا بقلب أبيض وماكنتش أعرف إن الجواز ساعات بيبقى امتحان مش شريك، أول ما دخلت بيتهم عرفت إن عم إبراهيم حمايا راجل كبير في السن ومكسور من الدنيا، مفيش معاش، مفيش أرض باسمه، مفيش حاجة غير أوضة صغيرة وسرير حديد ومخدة قديمة دايمًا حاضنها كأنها كنز، حسن كان بيشتغل طول اليوم وبره البيت، وإخوته كل واحد في حاله، وأنا لقيت نفسي تلقائيًا اللي جنبه، اللي بتأكله، اللي بتغسله، اللي بتسمع أنينه بالليل وهو فاكر إن محدش سامعه، الناس كلها كانت مستغربة، جيرانا وقرايب وحتى أهلي، “إنتي ليه مربوطة نفسك؟ ده مش أبوكي”، “لسه صغيرة، صحتك هتضيع”، “سيبيه لولاده”، بس عمري ما حسيت إنه عبء، كنت حاسة إنه إنسان الدنيا عصرت عليه لحد ما نشف، كان بيحكيلي عن مراته اللي ماتت بدري وسابتله أربع عيال، عن الغيط اللي كان بيشتغل فيه باليومية، عن الأيام اللي كان بينام من غير عشا عشان يشبعهم، وكنت كل ما أسمعه قلبي يتكسر وأقول بيني وبين نفسي الراجل ده مش لازم يمشي من الدنيا وهو حاسس إنه لوحده، سنين عدت وأنا وهو بس، مرض، دكاترة حكومة، ليالي سخونية، دعاء، دموع، لحد الليلة اللي اعترفتله فيها

إني تعبانة ومجهدة وحاسة الحمل تقيل، مسك إيدي وقاللي بابتسامة ضعيفة “ربنا يبعتلك اللي يطيب خاطرك يا بنتي، إنتي عملتي اللي محدش عمله”، ومن اليوم ده وأنا حاسة إن كلمة واحدة منه كانت مكافأة تكفيني عمر، لحد اليوم الأخير، اليوم اللي شفت فيه الموت بعيني، نفسه كان طالع نازل بالعافية، إيده بتدور تحت المخدة، طلع الخدادية القديمة اللي دايمًا كان حاضنها، حطها في إيدي وقال “دي ليكي، افتحيها بعد ما أمشي”، ومات، وأنا فضلت واقفة مش مصدقة، بعد الدفن والناس ما مشيت، قعدت على سريره وفتحت المخدة، أول ما فتحتها دموعي نزلت، مش عشان فلوس، عشان اللي شوفته، لقيت جوه كيس قماش صغير فيه شوية دهب قديم، حلقين وخاتم، ومعاهم ظرف، فتحت الظرف لقيت ورقة مكتوب فيها بخط إيده المرتعش “يا أمل، لو الورقة دي في إيدك يبقى أنا مشيت، الدهب ده كان بتاع أم حسن، بعته من سنين واشتريت غيره أرخص وخبيت الفرق، قرش فوق قرش، يوم ورا يوم، وقلت لازم أسيب حاجة للي وقفت جنبي، سامحيني إني ماقدرتش أديكي أكتر من كده، بس ربنا شاهد إنك أغلى من ولادي، الأرض اللي اشتغلت فيها عمري كله مش بتاعتي، بس اللي في المخدة دي تعبي وعرقي وحقك”، قعدت أعيط زي العيال، مش عشان الدهب،
عشان الإحساس، راجل الدنيا ماادتهوش حاجة قرر يدي اللي عنده لحد حسسه بالكرامة، بعدها بأيام ولاده جم يدوروا، يسألوا، يفتشوا، وأنا طلعتلهم المخدة وقلت “دي وصيته”، سكتوا، محدش قدر يتكلم، ويمكن لأول مرة يحسوا بالكسرة اللي عاشها أبوهم، الدهب ده بعته وفتحت بيه مشروع صغير، كبرت، وقفت على رجلي، وكل ما حد يقولي “إنتي مستفدتي إيه؟” أبتسم وأقول “خدت دعوة من راجل مظلوم”، عم إبراهيم مات فقير، بس علمني إن اللي يعمل خير ما بيضيعش، وإن البنت اللي تشيل مش واجبها ربنا بيشيلها العمر كله، والمخدة المقطعة طلعت مش قماش، طلعت حكاية وفاء غيرت حياتي كلها.
القصة الثانية 
«عدتُ إلى المنزل من قبر ابنتي، وكانت غرفتها فارغة. قالت حماتي: لقد حان وقت المضي قدمًا. ثم علمت أن زوجي كان يعلم. همستُ: لقد محوتموها. عندها تغيّر كل شيء.»

عدتُ إلى المنزل من قبر ابنتي، ولا يزال التراب عالقًا تحت أظافري.

كان البيت صامتًا أكثر مما ينبغي. ليس ذلك الصمت اللطيف الذي يرافق الحزن، بل الصمت الأجوف—كأن شيئًا ما قد مُحي. أسقطتُ مفاتيحي واتجهتُ مباشرةً إلى الممر، وأنا أعرف قبل أن أفتح الباب.

كانت غرفتها فارغة.

السرير مجرد من أغطيةه. الرفوف خالية.

لوحة الفلين التي كانت تثبّت عليها رسوماتها—اختفت. دُماها المحشوة، التي كانت تسميها وتصفّها كل ليلة، لم يعد لها أثر. حتى البطانية البنفسجية التي كانت تتشبث بها خلال العلاج الكيميائي، والتي ما زالت تفوح منها رائحة شامبوها، لم تكن هناك.

وقفتُ عاجزة عن التنفّس.

وصلني صوت حماتي من المطبخ:
«أوه، جيد أنكِ عدتِ.»

استدرتُ ببطء.

كانت تقف قرب المنضدة، هادئة، وكأنها راضية عمّا فعلت. قالت:
«تبرّعتُ بكل شيء. الأطفال بحاجة إلى هذه الأشياء أكثر من غرفة مظلمة مليئة بالحزن.»

شعرتُ بركبتيّ توشكان على الانهيار.
«فعلتِ ماذا؟»

لوّحت بيدها باستخفاف.
«هذا أكثر صحّة. عليكِ أن تمضي قدمًا.»

تمضي قدمًا.

سألتها أين زوجي. ترددت لحظة قصيرة—كافية لتقول الحقيقة.

«كان يعلم»، قالت. «واتفق معي.»

مالت الدنيا من حولي.

وجدته في المرأب، جالسًا على مقعد، يحدّق في الفراغ. حين سألته—بهدوء، بحذر—لم يُنكر.

قال:
«لقد رحلت. الاحتفاظ بتلك الأشياء لن يعيدها.»

انكسر شيء داخلي بانفصالٍ نظيف، كزجاجٍ ينشق بدل أن يتحطّم.

مررتُ من جانبه، أخذتُ معطفي، وغادرتُ دون كلمة واحدة. قدتُ السيارة لساعات حتى غربت الشمس، وهاتفي يهتز بمكالمات فائتة لم

أردّ عليها.

في تلك الليلة، نمتُ في سيارتي.

تم نسخ الرابط