مدير البنك قطع الشيك
المدير قطّع الشيك… من غير ما يعرف إن وريثة البنك كانت واقفة قدامه
في مدينة القاهرة، يوم عادي جدًا:
زحمة، ناس مستعجلة، بدلات شيك، وتكييف البنوك ساقع كأنه سلطة.
فرع بنك النخبة للاستثمار كان فاتح من بدري،
رخام لامع، إزاز نضيف،
ومكان تحس فيه إن الفلوس ليها هيبة.
وفجأة…
الباب الأوتوماتيك فتح،
ودخلت بنت صغيرة.
حوالي 11 سنة،
شعرها مكركب،
وشها متوسخ من اللعب،
تيشيرتها البيضا فيها بقع تراب،
وكوتشيها الوردي باهت.
كانت حاضنة شنطة صغيرة،
وجواها ظرف متني بعناية.
اسمها ليلى عمران.
جاية من الجنينة اللي جنب البنك،
كانت لسه بتلعب وتضحك زي أي طفلة.
أبوها وأمها كانوا واقفين برّه شوية.
قالولها تدخل تستنى.
أول ما دخلت،
العيون كلها اتشدّت عليها.
موظفة همست: — بصّي شكلها!
زميلتها ضحكت: — دي جاية من الشارع.
ليلى تجاهلتهم،
راحت على الكاونتر وقالت بأدب:
—
مدير الفرع حسام الدسوقي
بص لها من فوق لتحت وضحك:
— إنتي؟ تودعي شيك؟
ناولته الشيك: — أيوه… ده لحسابي. هدية من تيتة.
مسكه من طرف صوابعه: — متوسخ كده ليه؟
— جبتيه منين؟
قرأ الرقم وضحك: — خمسين ألف جنيه؟
— إحنا مش حضانة هنا.
— الحساب باسمي…
— أبوكي اسمه إيه؟
— سيف عمران.
ضحكوا.
ليلى قالت بصوت مهزوز: — ده حقي…
حسام قال ببرود: — روحي البيت، والبسي كويس، وتعالي مع حد كبير.
وبمنتهى القسوة…
قطّع الشيك
ورماه في الزبالة.
ليلى خرجت تجري والدموع في عينيها…
ليلى خرجت تجري والدموع مغرقة وشّها…
خرجت من الباب الزجاجي وهي مخنوقة، مش فاهمة ليه اتعاملوا معاها كده.
أول ما شافها أبوها وأمها، جريت وهي بتعيّط.
أبوها سيف عمران نزل لمستواها ومسح دموعها: — حصل إيه يا ليلى؟
قالت بصوت مكسور: — قطّع الشيك… قالّي روحي البسي
سيف عمران وقف.
وقفته اتغيّرت.
الهدوء اللي كان في وشّه اتحول لبرود تقيل يخوّف.
أمها همست: — سيف… بلاش دلوقتي.
رد بهدوء: — لأ… دلوقتي.
مسك إيد ليلى ودخلوا تاني البنك.
الباب الأوتوماتيك اتفتح…
لكن المرة دي، الجو اتغيّر.
الناس اللي كانت بتضحك سكتت.
الهمس وقف.
فيه حاجة في طريقة مشي سيف عمران خلت الكل يحس إن في مصيبة داخلة.
مدير الفرع حسام كان لسه بيضحك مع موظف: — تخيّل طفلة جاية تودع شيك!
سيف وقف قدامه: — فين الشيك اللي قطعته؟
حسام بصله باستعلاء: — حضرتك مين؟
— أنا سيف عمران.
الضحكة اتجمدت نص ثانية…
وبعدين رجعت بس مش واثقة: — تمام… خير؟
سيف طلع موبايله، ضغط زر، وحطه على الترابيزة.
الموبايل كان مفتوح على موقع رسمي… مجلس إدارة بنك النخبة للاستثمار
أسماء… صور…
وأول اسم فيهم:
الدكتور سيف عمران – رئيس مجلس الإدارة
وش حسام شحب.
إيده
سيف قال بهدوء قاتل: — والبنت دي… ليلى عمران. — الوريثة الوحيدة لأسهم البنك. — وصاحبة الحساب اللي انت قطّعت شيكه.
الموظفة اللي ضحكت قبل كده حطّت إيدها على بُقّها.
الزبالة اللي فيها بقايا الشيك بقت فجأة أهم حاجة في المكان.
حسام بلع ريقه: — أنا… أنا ماكنتش أعرف…
سيف قرب خطوة: — انت ما سألتش. — ما احترمتش. — وما شفتش إن اللي قدامك إنسانة.
بص لبنته: — ليلى… تحبي الشيك يتصلّح؟
هزّت راسها: — لأ.
— تحبي إيه؟
بصت حواليها، وقالت بهدوء طفل: — عايزة أرجع ألعب في الجنينة.
سيف ابتسم: — حاضر.
لفّ لحسام: — من اللحظة دي، انت موقوف عن العمل. — والتحقيق هيشمل كل شكوى اتقدمت ضدك. — وكل عميل دخل البنك وحس إنه أقل من غيره.
حسام حاول يتكلم…
بس مفيش صوت طلع.
بعد أسبوع
الخبر كان في كل حتة:
إقالة مدير فرع بنك النخبة بعد واقعة إساءة لطفلة
ولا حد عرف
إن
كانت وريثة البنك.
أما ليلى؟
رجعت الجنينة،
لعبت وضحكت،
واتعلمت أول درس في حياتها: