في عيد ميلاد ابني العاشر والشموع لسه بترتعش فوق التورتة، كان نفسي أعمل له يوم ينسّيه ضيق الشقة والحيطة المقشرة والفلوس اللي دايمًا ناقصة، علّقت بالونات رخيصة ولزّقتها بشريط لاصق، جبت تورتة على قدّي من السوبر ماركت ولفّيت هدايا بسيطة في ورق ملوّن، ومايلز كان واقف قدامي بعنيه اللامعة كأنه شايف قصر مش شقة إيجار، فجأة الباب اتفتح وديريك دخل متأخر وريحة برفان ست مالية هدومه، بص حواليه باحتقار وقال هو ده اللي قدرتي تعمليه، حاولت أضحك وأقول ده عيد ميلاد ابنك خلينا نعدّي الليلة على خير، قرب مني وهمس من بين سنانه بطّلي تعملي مني أضحوكة، وقبل ما أستوعب الكف نزل على خدي، حسيت الدنيا بتلف ومايلز صرخ بابا لو سمحت ما تضربش ماما، لكن ديريك ما بصّش علينا حتى، مسك موبايله وبص بره الشباك على عربية سودا واقفة وقال ببرود أنا خلصت منكم، جريت وراه وأنا برجّع نفسي بالعافية وقلت له هو عنده عشر سنين ما تمشيش كده، ابتسم ابتسامة باردة وقال اتفرجي عليا، ونزل وركب العربية اللي كانت مستنياه ومشي من غير ما يلتفت، ومايلز كان بيجري ورا العربية وهو بيعيط وبيستنجد بيه يرجع، بس هو ما رجعش ولا مرة، من اليوم ده حياتنا اتقلبت، اكتشفت إنه سحب كل اللي في الحساب وساب الإيجار متراكم وقطع أي اتصال،
أهله قفلوا الباب في وشي وقالوا استحملي نتيجتك، اشتغلت نادلة بالنهار وبنضف مكاتب بالليل، كنت برجع البيت رجلي مش شايلاني وألاقي مايلز صاحي مستنيني عشان يوريني واجبه اللي خلصه على ترابيزة المطعم، كان دايمًا بيقولي متقلقيش يا ماما أنا هكبر وأصلّح كل حاجة، وكنت أبتسم وأنا قلبي بيتفتت من الخوف عليه، في عز التعب لاحظت إن في حاجة اتغيرت فيه، ما بقاش طفل بيسأل ليه بابا مش هنا، بقى شاب صغير بيدوّر إزاي يبقى أقوى، كان يقعد بالساعات في مكتبة المدرسة يتعلم برمجة من كتب قديمة وعلى كمبيوتر بطيء، ولما رجع البيت أول مرة وقال لي أنا كتبت أول كود في حياتي حسيت إنه بيبني طوق نجاة لنا الاتنين، عند 14 سنة بدأ يصلّح موبايلات الجيران وياخد مقابل بسيط يحطه في علبة معدنية تحت سريره، ولما سألته ليه بتشيل الفلوس قال عشان ما نحتاجش لحد تاني، عند 16 سنة كان بيدخل مسابقات أونلاين ويكسب جوائز صغيرة، وعند 18 خد منحة كاملة في جامعة كبيرة بعد ما لجنة القبول انبهرت بفكرته عن تطبيق بيساعد الناس تدير مصاريفها وتخطط لمستقبلها، كنت واقفة قدام باب الجامعة يوم دخوله ودموعي بتنزل وأنا فاكرة الليلة اللي خرج فيها أبوه وسابنا، مايلز ما رجعش ورا ولا بص على الماضي، كان بيشتغل ويدرس في نفس الوقت، ينام
ساعات قليلة ويحلم كبير، وفي سنة من السنين التطبيق بتاعه انتشر فجأة بعد ما شركة استثمار لاحظته ودعمت مشروعه، وبدأ اسمه يتقال في مؤتمرات ولقاءات، وكل مرة كنت بشوف صورته على النت ببدل بين صورة الطفل اللي كان بيعيط ورا عربية بتمشي وصورة الشاب اللي واقف واثق قدام جمهور، عند 21 سنة وقف قدامي بمفاتيح بيت جديد وقال لي جه الوقت نسيب الإيجار ورا ظهرنا، دخلنا البيت وأنا مش مصدقة إن الأرض مش هتتسحب من تحتنا تاني، حضني وبكى وقال أنا وعدتك يا ماما، السنين عدت أسرع مما توقعت وبقى عنده شركة بملايين الدولارات، وبقى يسافر ويتكلم مع مستثمرين ويدخل صفقات ضخمة، لكن في عينه كان لسه في سؤال قديم ما اتقفلش، وفي يوم رجع البيت بهدوء غريب وحط قدامي ملف تقيل وقال لقيته، قلبي خبط جامد وسألته تقصد مين، قال ديريك، وعرفت إنه تتبّع أثره لحد ما عرف إنه فتح شركة صغيرة في تكساس بعد ما خسر كل حاجة دخل فيها، وبالصدفة اكتشف إن بداية رأس مال الشركة دي كانت فلوس متحولة من حساب قديم باسمي وباسمه أيام ما كنا لسه عايشين سوا، فلوس تعويض بسيط كنت واخداه من شغلي القديم وكان المفروض تكون أمان لابني، لكنه سحبها وخدها لنفسه قبل ما يختفي، مايلز قال لي بهدوء المرة دي مش هيسيب حد وراه مكسور، استخدم خبرته
القانونية وفريقه المالي وجمع الأدلة وقدّم دعوى استرداد أموال مع تعويضات عن الضرر، اليوم اللي دخل فيه مكتب ديريك كان مشهد ما يتنسيش، شاف شاب واثق لابس بدلة أنيقة ومعاه فريق قانوني، ما عرفش في الأول إنه ابنه، لكن لما مايلز قال اسمي مايلز وساب لحظة صمت طويلة وقال يمكن تفتكرني، شفت في عيني ديريك صدمة ورعب، حاول يتكلم ويبرر ويقول ظروف وضغط وحاجات كتير، لكن مايلز ما رفعش صوته ولا قلل من نفسه، قال له بهدوء أنت اخترت تمشي وأنا اخترت أشتغل، أنت اخترت تهرب وأنا اخترت أبني، والنهارده أنا مش جاي آخد حق بس، أنا جاي أقول لك إننا بقينا أقوى من أي وجع سبّبته، المحكمة حكمت لصالح مايلز وأجبرت ديريك على إعادة كل الأموال مع فوائد وتعويض، وخسر شركته بسبب الديون اللي تراكمت عليه، ولما رجع مايلز البيت بعد الحكم قعد قدامي وسألني بهدوء هل حاسة إن العدل اتحقق، بصيت له وشفت الطفل اللي كان بيصرخ بابا لو سمحت والشاب اللي قدر يقف قدام الماضي من غير ما ينكسر، وقلت له أهم حاجة إنك ما بقيتش شبهه، أهم حاجة إنك اخترت تبني بدل ما تهدم، ابتسم وقال أنا عمري ما كنت عايز أنتقم كنت عايز أثبت إننا نستاهل أفضل، ومن يومها وأنا كل ما أشوفه وهو بيخطط لمشاريع جديدة وبيساعد شباب صغير يبدأوا من الصفر