سر الطفلة الحافية

لمحة نيوز

وصلت حافية القدمين وسط الثلج طفلة بين ذراعيها وطلبت من راعي بقر عملا ولم يكن أحد في الطريق الطويل يهتم بمن تسير وحدها في هذا البرد القاسي كانت الرياح تصفع وجهها كأنها تختبر قدرتها على الاحتمال والجبال من حولها صامتة كأنها شاهدة على حكايات كثيرة انتهت قبل أن تبدأ كانت تبدو أصغر من عمرها الحقيقي نحيلة حد الشفافية شعرها الأسود متجمد بخيوط من الصقيع وذراعاها تحتضنان رضيعة ملفوفة ببطانية باهتة بالكاد تقيها الموت الأبيض الذي يزحف في كل اتجاه لم تكن تعرف إن كانت قد قطعت أميالا أم دقائق فالزمن في البرد يتحول إلى ألم فقط وعندما رأت الكوخ الخشبي في نهاية الطريق لم تصدق أن قدميها ما زالتا تحملانها طرقت الباب مرة واحدة لأنها لم تملك قوة لطرق ثانية وانفتح الباب ببطء ليظهر رجل طويل عريض الكتفين بوجه مسفوع بالشمس وعينين فيهما هدوء عميق يشبه البحيرات الجبلية نظر أولا إلى قدميها العاريتين المتشققتين ثم إلى الطفلة بين ذراعيها وقبل أن يتكلم خرج صوتها المرتجف تقول أستطيع العمل سأطبخ وأنظف وأفعل أي شيء فقط اسمح لي أن أبقى

وأكسب مكاني هنا لم يكن في صوتها خوف بل كرامة متعبة أطلقت الرضيعة أنينا ضعيفا فتح الرجل الباب أكثر وقال ادخلي كان الدفء في الداخل أشبه بمعجزة رائحة الحطب والقهوة والجلد القديم تملأ المكان جلست قرب الموقد وهي لا تزال تضم الطفلة كأنها تخشى أن ينتزعها أحد قال قربيها من النار همست لن أتركها أجاب لم أطلب منك ذلك تحرك بهدوء وأشعل نارا أقوى وسخن ماء وأحضر بطانية سميكة وعندما أخذ الطفلة للحظة ليعدل لفافتها حملها بخبرة واضحة جعلت غريس ترفع عينيها نحوه بدهشة سألها عن اسمها فقالت غراسييلا موراليس وهذا لونا كرر اسم الطفلة بصوت منخفض كأنه يحفظه وضع طعاما على الطاولة وقال كلي فالنجاة الآن هي العمل أكلت بصمت وعيناها تراقبانه بحذر وبينما مدت يدها لتثبت البطانية انزلق كم معطفها قليلا فكشف عن سوار جلدي قديم محفور عليه حرفان متداخلان JM في اللحظة التي وقعت فيها عيناه على السوار تغير وجهه كما لو أن الريح جمدته من الداخل اقترب ببطء وسأل من أين حصلت على هذا أجابت بصوت متحفظ كان لوالدتي قالت إنه الشيء الوحيد الذي بقي من والدي
سألها واسم والدك ترددت ثم قالت جواكين موراليس عندها جلس الرجل كما لو أن الأرض اهتزت تحته مرت سنوات طويلة منذ أن سمع ذلك الاسم كان جواكين أخاه الأصغر الذي غادر المزرعة قبل خمسة عشر عاما بعد شجار حاد ولم يعد قط ظن الجميع أنه مات في الجنوب بحث عنه كثيرا ثم استسلم والآن تقف أمامه فتاة تحمل اسمه وملامحه في عينيها دون أن يدري سألها عن أمها فخفضت رأسها وقالت توفيت قبل شهر بالمرض وتركت لي عنوانا قديما وقالت إذا ضاقت بك الدنيا اذهبي إلى الشمال وابحثي عن أخيه إن كان لا يزال حيا لم أكن أعلم إن كان هذا المكان هو المقصود لكن لم يكن لدي مكان آخر أذهب إليه صمت الرجل طويلا ثم قال اسمي جاك موراليس وأنا أخو جواكين شعرت غريس كأن الهواء عاد إلى صدرها فجأة لكنها لم تبك بل تشبثت بلونا أكثر أخبرها أنه تلقى قبل سنوات رسالة قصيرة من أخيه يقول فيها إنه وقع في حب فتاة من الجنوب وسيبدأ حياة جديدة ولم يذكر شيئا بعدها لم يعرف أنه أصبح أبا نهض جاك وأحضر صندوقا خشبيا قديما فتحه وأخرج منه صورة لشابين يقفان أمام هذه المزرعة نفسها أحدهما
هو وهو أصغر سنا والآخر يحمل نفس عيني غريس عندما رأت الصورة لم يعد هناك شك انكسرت الدموع أخيرا لم يكن اللقاء مجرد طلب عمل بل عودة دم إلى جذوره أخبرها جاك أن هذه الأرض كانت لوالدهما وأنه بقي فيها وحيدا بعد رحيل أخيه لم يتزوج ولم ينجب لأنه ظل ينتظر عودة الدم الذي غادر والآن جاءت حفيدة أخيه إلى بابه حافية في الثلج شعر بثقل السنوات يذوب داخله قال لها لن تعملي خادمة هنا بل ستكونين في بيتك هذه المزرعة لك بقدر ما هي لي لكن غريس أصرت أن تعمل لا لأنها مضطرة بل لأنها تريد أن تثبت أنها قادرة على الوقوف وافق بشرط واحد أن تتعلم وتكبر وأن تكبر لونا في دفء لا في هروب ومع مرور الأيام بدأت الحياة تعود إلى المزرعة التي كانت صامتة ضحكة لونا تملأ الحظيرة وخطوات غريس في الصباح تعيد ترتيب البيت اكتشف جاك أن الوحدة التي عاشها سنوات لم تكن قدرا بل انتظارا وعرفت غريس أن اليأس الذي دفعها عبر الثلج كان في الحقيقة يقودها إلى عائلة لم تكن تعلم بوجودها وفي إحدى الليالي بينما كانت النار تشتعل في الموقد جلس جاك ينظر إلى السوار في
تم نسخ الرابط