صديقة ابنتي

لمحة نيوز

هتاكل معانا
بنتي اللي عندها 12 سنة دخلت عليا المطبخ ومعاها بنت غريبة وقالت الجملة وكأنها قرار نهائي ملوش رجوع وبعدها كشفت لي سر هز كياني كله.
بصيت ل نص كيلو المفروم الوحيد اللي كان بيتحمر في الطاسة.. كان تمنه الشيء الفلاني والمفروض إنه يكفينا بالعافية إحنا الأربعة لعمل سندوتشات حواوشي. دلوقتي بقينا خمسة.
سلمى قالت بثبات
ماما دي منة صاحبتي.
صوتها مكنش فيه رجاء كان فيه تحدي صريح لأي اعتراض مني.
منة كانت واقفة جنب التلاجة كأنها بتتمنى الأرض تنشق وتبلعها. لابسة سويت شيرت واسع ومبهدل رغم إن الجو حر وكوتشي قديم ومقطع وماسكة شنطة المدرسة وهي مطبقة في إيدها.. باين عليها فاضية خالص.
حسبتها بسرعة في دماغي.. لو زودت بصل وفلفل وكترت البطاطس المحمرة محدش هيحس بنقص اللحمة.
قلت بابتسامة مصطنعة
أهلا يا منة نورتينا.. خدي طبق يا حبيبتي.
العشا كان تقيل.. السكوت كان بيخنق. جوزي حاول يلطف الجو وسألها عن المدرسة ردت بكلمتين
كويسة يا عمو.
سألها عن باباها ومامتها قالت
بيشتغلوا.
البنت كانت بتاكل بلهفة مرعبة كأنها خايفة الطبق يتسحب منها في أي لحظة. شربت تلات كوبايات ميه ورا بعض وكل ما أقرب منها عشان أزودلها أكل كانت بتتخض وترجع لورا.
أول ما الباب اتقفل وراها انفجرت في سلمى. ضغوط الشهر كله.. فاتورة الكهرباء

غلاء الأسعار والجمعية اللي عليا.. كله طلع في لحظة.
قلت لها بحدة
إيه اللي عملتيه ده إحنا يدوب ممشيين حالنا بالعافية! ما ينفعش تدخلي غرباء البيت كده!
ردت عليا بهدوء وجع قلبي
كانت جعانة يا ماما.
بتاكل في بيتها! وإيه لازمة المدرسة والمديرين
سلمى خبطت بإيدها على التربيزة وقالت
بيتها مفيش فيه لقمة! باباها بيشتغل ورديتين في مخزن وبالليل بيسوق تاكسي عشان يسدد ديون علاج مامتها. التلاجة فاضية والكهرباء اقطعت عنهم الأسبوع اللي فات.
اتسمرت مكاني.. وعرفتي كل ده منين
قالت لي
عشان أغمى عليها في حصة الألعاب النهاردة. المدرسة افتكرتها مهبطة وأدتها عصير وقالت لها افطري كويس. بس هي مابتفطرش.. ولا بتتعشى. هي بتاكل وجبة المدرسة الصبح وتفضل 24 ساعة من غير أكل لحد تاني يوم.
حسيت بمرارة في حلقي قلت بضعف
ليه مابلغتش الأخصائية فيه مساعدات بتتقدم.
سلمى بصت لي نظرة أكبر من سنها بكتير
لو بلغت الحكومة هتيجي وتشوف بيت مفيهوش أكل وبنت قاعدة لوحدها طول اليوم عشان باباها بيطحن نفسه في الشغل.. هياخدوها منه ويودوها ملجأ. هي مش عايزة صدقة يا ماما.. هي بس بتحاول تعيش من غير ما تخسر أهلها.
قعدت على الكرسي.. غضبي اتبخر وحل مكانه خجل تقيل أوي.
أنا كنت شايلة هم نص كيلو لحمة وهي كانت شايلة هم إنها تفقد باباها اللي بيحارب عشانها.

همست ل سلمى
هاتيها بكرة.
بكرة بس
كل يوم.. لحد ما أقولك كفاية.
منة بقت تيجي كل يوم وبقت عادة مابنتكلمش فيها. تقعد تذاكر مع سلمى وأنا بحضر الأكل تاكل وتمشي في هدوء. عمرها ما اشتكت وعمرها ما طلبت. كانت بتاكل وبس.
في بلدنا الفقر بيتعامل كأنه عيب أو سر لازم يتخبى. فكنا بنحترم السر ده.. بنغرف الطبق ونسكت.
بعد سنين الحال اتغير والأسعار ولعت أكتر بس الطبق الزيادة فضل مكانه.
يوم تخرجها من ثانوي منة جات لنا البيت وهي لابسة روب التخرج. كانت الأولى على مدرستها وخدت منحة كاملة في الهندسة.
ادتني كارت وفيه صورتها مع باباها.. راجل غلبان شقيان شفته من بعيد وهو مستنيها في ميكروباص قديم.
قالت لي وصوتها بيترعش
أنا عارفة إني مكنتش بتكلم كتير.. كنت خايفة لو قلت حاجة غلط تحسي إني حمل عليكي وتطرديني.
قلت لها
عمرك ما كنتي حمل يا منة.
كملت والدموع في عينيها
أنتي أكلتيني أكتر من 800 طقة.. مسترتيني وما بلغتيش حد.. ما حكمتيش على أبويا إنه مقصر.. أنتي بس خليتيني قوية كفاية عشان أذاكر. أنتي أنقذتي عيلتنا يا طنط.
دموعي نزلت.. أنا مأنقذتش حد. أنا كل اللي عملته إني زودت شوية مكرونة وميه في الشوربة.
بس الحقيقة إن الواحد مايقدرش يعتمد على نفسه وهو مش قادر يقف على رجله من الجوع.
سلمى دلوقتي في الجامعة كلمتني الأسبوع اللي
فات وقالت لي
ماما هجيب صاحبتي معايا في أجازة نص السنة المدينة هتقفل وهي معندهاش حق السفر لبلدهم.
قلت لها ببساطة ماشي يا حبيبتي.
قالت لي بس دي أكيلة أوي يا ماما.
ضحكت وقلت لها هنزود الرز شوية.. والبركة هتحلي اللقمة.
نصيحة
بصوا كويس في وشوش صحاب ولادكم..
الهادي زيادة عن اللزوم..
اللي لابس شتوي في الصيف عشان يداري هدومه القديمة..
اللي مابيتكلمش عن خروجات ولا أكلات.
الناس دي مش عايزة جمعيات خيرية تهد كيانهم.. هما بس محتاجين طبق زيادة وحضن دافي.
حط طبق زيادة.. وما تسألش كتير.. بس املاه.
القصة الثانية  
حظرت أمي رقمي وغيرت أقفال البيت بينما كنت بلا مأوى. صرخت أمام بابها معتقدا أنها وحش. لكنني كنت مخطئا.
حدقت في شاشة هاتفي حتى احترقت عيناي.
لم يتم تسليم الرسالة.
اتصلت مرة أخرى. تحول الاتصال مباشرة إلى البريد الصوتي. جربت واتساب. علامة صح رمادية واحدة.
أمي. المرأة التي أنجبتني. المرأة التي أنقذتني من كل ورطة وقعت فيها طوال ستة وعشرين عاما.
لقد حظرتني.
لم أكن مجرما. لم أكن مدمنا. كنت فقط عالقا.
كنت في السادسة والعشرين أعيش في اقتصاد صعب أطارد أحلاما كبيرة تتمثل غالبا في النوم حتى الحادية عشرة صباحا ولعب ألعاب الفيديو حتى الثالثة فجرا. كنت أسمي نفسي رائد أعمال.
أمي كانت تسميني اتكاليا.
لسنوات
كان سجل رسائلنا أشبه بدفتر حسابات لفشلي.
أمي الإيجار مستحق. أعدك
تم نسخ الرابط