ولدت من شهر بس… واكتشفت إن جوزي كان كل ليلة يسرق حليبي عشان ياخده لبيت مامته. تبعته في هدوء… واللي شوفته خلا دمّي يتجمّد في عروقي. في اليوم اللي ولدت فيه بنتي الأولى حسّيت إن حياتي اكتملت، حسّيت إن ربنا عوّضني عن سنين التعب والانتظار، وعن كل مرة كنت ببص فيها على سرير الأطفال الفاضي وأقول إمتى؟ لما حطّوها على صدري لأول مرة، كانت صغيرة قوي، دافية، وبتتنفس بسرعة كأنها مستعجلة تعيش الدنيا، وأنا كنت ببكي ومش مصدقة إن ده حقيقي. سامي وقتها كان واقف جنبي، عينه مليانة دموع، وبيطبطب على راسي ويقولّي: “إحنا بقينا عيلة بجد.” أول شهر كان شبه الحلم، هو بيصحى الفجر يساعدني، يجيبلي مية، يجهزلي الأكل، يشيل البنت لما تتعبني، وحتى لما أكون منهكة كان يقولي: “نامي إنتي، أنا معاها.” كنت بحمد ربنا على الزوج اللي حسّيته سند وضهر. لكن بعد تلات أسابيع بدأت أحس إن في حاجة مش راكبة. كنت باستخراج الحليب وأخزنه في أكياس بتاريخ وساعة عشان أظبط الرضعات، وكنت حريصة جدًا. فجأة لقيت الكمية بتقل. قلت يمكن أنا بتوهم، يمكن البنت شربت أكتر. بس كل ليلة تقريبًا بين 2 و3 الفجر كان سامي يقوم بهدوء، يفتح التلاجة، يطلع أكياس،
ويحطهم في شنطة ظهر. في الأول قلت يمكن بيرمي القديم، يمكن بيساعدني. لكن لا… كان بياخد الأكياس الجديدة اللي لسه كاتبة عليها التاريخ. سألته مرة بهدوء: “الحليب اللي حطّيته امبارح راح فين؟” بصلي بابتسامة مهزوزة وقال: “اتلخبطت ورميته بالغلط.” قلبي ما اطمّنش. سامي عمره ما كان مهمل بالشكل ده. فضلت كام ليلة أصحى أراقبه من غير ما يحس، وكل مرة نفس الحركة، نفس التسلل، نفس الشنطة. قررت أتبعه. سيبت بنتي مع أمي اللي كانت قاعدة معانا تساعدني، ولبست بسرعة ونزلت وراه. الشارع كان ساكت، والهواء بارد، وأنا قلبي بيدق كأني رايحة أكتشف خيانة. مشي لحد بيت مامته، الست كريمة، اللي ساكنة قريب مننا. استخبيت بعيد شوية وشوفت الباب بيتفتح بحذر. حماتي شكلها كان غريب، أنحف بكتير، وشها أصفر وعينيها غرقانة في سواد. سامي سلّمها الشنطة وهي مسكتها بإيدين بترتعشوا، وقالها بصوت واطي: “النهارده قدرت أجيب أكتر.” دخلوا وقفّلوا الباب. فضولي وخوفي شدّوني، قربت من الشباك اللي ستارته مفتوحة سنة. اللي شوفته خلاني حرفيًا أتسند على الحيطة عشان ما أقعش. حماتي قاعدة على سرير في الصالة، جنبها جهاز صغير للتغذية بأنبوبة، وعلى الترابيزة
علب أدوية كتير. سامي فتح الشنطة وطلع أكياس الحليب، وبدأ يفضيهم في وعاء معقم، وبعدين شبّك الأنبوبة. حماتي كانت بتبصله بعين مليانة دموع وتقول: “ربنا يسامحني يا ابني… خليها متعرفش.” سامي رد وهو بيحاول يبتسم: “هتتعب أكتر لو عرفت، وهي لسه والدة ومش ناقصة.” ساعتها فهمت. ماما كريمة عندها مشكلة في المعدة من العلاج الكيماوي اللي كانت بتاخده من غير ما حد يعرف، وجسمها مش قادر يستحمل أكل تقيل، والدكتور قال إن لبن الأم الطبيعي أسهل حاجة ممكن جسمها يقبلها مؤقتًا لحد ما تتحسن. سامي كان بيحاول يساعدها من غير ما يحملني هم فوق همي. دموعي نزلت بس مش زي الأول. كنت داخلة الليلة دي وأنا شاكّة في خيانة، وطلعت شايفة تضحية. رجعت البيت قبل ما هو يرجع، ودخلت سريري أعمل نفسي نايمة. لما دخل بعد نص ساعة تقريبًا، قعد جنبي وبصلي طويل، كأنه حاسس إني عرفت. اليوم اللي بعده الصبح قلتله بهدوء: “لو كنت قولتلي إن ماما تعبانة، كنت هديك الحليب بإيدي.” وشه اتصدم، ولونه راح. قعد قدامي واعترف بكل حاجة، إنه من يومين قبل ولادتي وهو عارف إن حالتها صعبة، وإنها رفضت تدخل مستشفى عشان الفلوس، وإنه خاف يصدمني بعد الولادة. زعلت إنه
خبّى، آه، بس لما روحت بنفسي لحماتي وشوفت قد إيه ضعفت وقد إيه كانت بتحاول تبتسم عشان ما تقلقناش، قلبي لان. قلتله من اللحظة دي مفيش حاجة هتتعمل في السر. بقينا نقسم الحليب، وبدأنا نتابع معاها دكتور كويس، وأنا كنت أروح أقعد جنبها وأحكيلها عن حفيدتها. بعد أسابيع، حالتها بدأت تتحسن تدريجيًا، وجهاز التغذية اتشال. في يوم، وهي شايلة بنتي لأول مرة من غير تعب، بصتلي وقالت: “إنتي بنتي قبل ما تكوني مرات ابني.” ساعتها فهمت إن اللي خلّى دمي يتجمّد في عروقي ماكانش خيانة… كان خوف، وخوفه كان سببه حب مضاعف بيني وبين أمه. القصة ما انتهتش بصدمة، انتهت بعيلة اتعلمت إن السر حتى لو نيته طيبة بيعمل جرح، وإن المشاركة أخف بكتير من الكتمان، وإن لبن الأم اللي كنت فاكرة إنه بيتسرق مني، كان في الحقيقة بينقذ حياة حد تاني، وبيخليني أنا نفسي أكبر وأفهم معنى الأمومة مش بس لبنتي، لكن لكل اللي حواليا.
عدّى شهرين كمان، وحياتنا بدأت تدخل في شكل جديد ماكنتش متخيلة إني أعيشه. بعد ما بقينا بنروح لماما كريمة مع بعض، بقى في بينا نوع تاني من الصراحة، صراحة موجعة أوقات لكنها مريحة. أنا وسامي اتفقنا إن مفيش أسرار تاني مهما