بعد سنين من دفن جوزي
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
رحلة النجاه بقلم نرمين عادل همام
بعد سنين من دفن جوزي، اخدت ابني في رحلة عشان نبدأ من جديد.. مكنتش بهرب من الماضي قد ما كنت بعلم نفسي إزاي أتنفس من غيره. جوزي "ياسين كارم" مات من سبع سنين، أو ده اللي اتقال لي وقتها؛ شهادة وفاة رسمية، جنازة بتابوت مقفول، حادثة مروعة على طريق "العلمين"، عربية محروقة وتفحمت بالكامل، وتحليل DNA أكد للكل إن الجثة بتاعته.
كنت وقتها في عز شبابي، 29 سنة، أرملة ومعايا طفل عنده 3سنين اسمه "علي". كنت غرقانة في حزن تقيل، كأن جبل وقع فوق صدري ومش عارفة أزقّه. بس الأيام مابتستناش حد، مرت، ونقلت من شقتنا القديمة في "شبرا" لمدينة "الشيخ زايد"، غيرت شغلي، قلعت دبلتي، وربيت ابني لوحدي. علمته إزاي يركب عجلة، إزاي يربط كوتشيه، وإزاي يتكلم عن باباه "البطل" اللي في الجنة من غير ما ينهار.صوره جوزي كانت ماليه البيت كنت بقول لابني كل يوم اوعى تنسى ابوك
ولأول مرة من سبع سنين، حسيت إن نَفَسي بقى أخف، فقررت أفسحه رحلة لـ "شرم الشيخ" .. ذكريات جديدة لينا إحنا وبس. ركبنا الطيارة بدري، "علي" قعد جنب الشباك وأنا جنبه بقلب في موبايلي بملل، وفجأة، لقيت إيد ابني بتضغط على دراعي بقوة وهو بيهمس بصوت مرعوش:
"ماما.. ده بابا! بابا هناك اهو ومعاه ست تانية !"
حسيت إن الدم اتجمد في عروقي. عقلي رفض الفكرة فوراً: "ياسين مات يا علي.. أنا دفنته بإيدي، ووقفت قدام قبره وشفت التراب وهو بيغطي اسمه!".. بس بصيت مطرح ما هو شاور، وعلى بعد تلات صفوف قدامنا، كان
كان بيضحك بهدوء ويميل على ست في أوائل التلاتينات، لابس نظارة شمس وشكله "ابن ناس" أوي. قلبي بدأ يدق بعنف، ملقيتش صوت أصرخ بيه، فضلت مراقباه وهو بيرفع دراعه عشان يحط الشنطة في الرف اللي فوق.. وهناك شفتها.. "الوحمة" اللي في دراعه اللي كنت حافظاها زي اسمي. الراجل اللي دفنته كان عايش، وقاعد معانا في نفس الطيارة!
الطيارة قفلت أبوابها، والمضيفة طلبت ربط الأحزمة، ومكنش فيه مجال للهرب. طول الرحلة وعيني مابتنزلش عنه، مكنتش شايفة "شرم الشيخ" ولا البحر، كنت شايفة "الخداع" مجسد في صورة راجل. أول ما الطيارة هبطت، استنيت لما وقف في الممر، قربت منه ببطء وقلت بصوت هادي وواضح:
"ياسين.."
الراجل اتنفض، لَف وشه ليا، وفي الثانية دي شفت "الرعب" الحقيقي في عينيه. حاول يتصنع إنه مش عارفني، صوته كان بيتهز وهو بيقول: "أفندم؟ حضرتك تعرفيني؟" سحبت "علي" قدامه وقلت له بصوت يقطع القلب: "قول له.. إنت مين؟" علي بصه بعيون مليانة دموع وقال: "بابا؟"
هنا وش ياسين انهار تماماً. الست اللي معاه بدأت تسأل بذهول: "فيه إيه يا سيف؟ مين دول؟".. "سيف؟" حتى اسمه غيره! طلب منها تبعد شوية، وأخدنا في ركن بعيد في المطار، وهناك اعترف بكل حاجة. ماماتش، الحادثة كانت متدبرة، والجثة اللي في القبر كانت لشخص مجهول. كان هربان من ديون بملايين وقضية اختلاس كبيرة، زوّر وفاته، غير اسمه، وبنى حياة جديدة بفلوس الحرام، وسابنا إحنا نموت بالبطء من الحزن والفقر.
حسيت
"ابنك عاش 7 سنين بيزور قبر لواحد حي.. وإنت عشت 7 سنين بتتعشى وتضحك وإحنا بنموت. أنا هبلغ عنك دلوقتي."
بدأ يتوسل، يكلمني عن "المستقبل" وعن "الفلوس" اللي ممكن يديهالي، بس أنا كنت انتهيت. في مطار شرم الشيخ، قدمت بلاغ رسمي، وبعد أسابيع كانت الشرطة قبضت عليه بتهمة تزوير شهادة وفاة، والنصب، والهروب من أحكام قضائية قديمة.
مارحتش البحر، رجعت "الشيخ زايد" ومعايا ابني، ومعايا "الحقيقة" كاملة. ليلتها، ولأول مرة من 7 سنين، نمت وأنا عارفة إن حزني القديم كان حقيقي، بس النهاية كانت في إيدي أنا. مابقتش "أرملة"، ومابقتش "زوجة" لخاين.. كنت ست نجت من الموت، وأم اختارت إن ابنها يعيش بالحق بدل ما يتربى على كذبة "القبر الفاضي".
المواجهة في المحكمة مكنتش مجرد جلسة قانونية، دي كانت "محاكمة للضمير" قدام الكل. القاعة كانت زحمة، وصوت الهمس مالي المكان، والكل مستني يشوف الراجل اللي رجع من الموت عشان يقف ورا القضبان.
أول ما ياسين (أو سيف زي ما سمى نفسه) دخل القفص، عينه جت في عيني.. كان باين عليه الانكسار، وشّه شاحب، والبدلة البيضاء واكلة من جسمه اللي خَسّ من الهم. المحامي بتاعه حاول يلعب على وتر "الظروف" وإنه كان مهدد بالقتل من أصحاب الديون، بس أنا مسبتلوش فرصة.
القاضي سمح لي بالكلام، وقفت بكل ثبات، وبصيت لياسين وقلت بصوت مسموع هز القاعة:
«سيادة القاضي، المتهم اللي واقف قدامك ده مدفنّاش بس جثة مجهولة، ده دفن معاه روح طفل كان بيسأل عليه كل ليلة، ودفن كرامة ست
ياسين نزل راسه في الأرض وبدأ يعيط بنحيب مسموع، صوته كان طالع مخنوق:
«والله كنت ناوي أرجع.. كنت بجمع فلوس عشان أبعتها من بعيد لبعيد.. أنا حبيتكم، بس كنت خايف!»
رديت عليه بمنتهى القوة والشموخ:
«الحب مش خوف يا ياسين.. الحب مواجهة. إنت اخترت نفسك، وأنا النهاردة بختار ابني وبختار حقي. الفلوس اللي كنت هتبعتها دي "دِيّة" لقلوبنا اللي قتلتها، وإحنا مابنبعش كرامتنا بفلوس حرام.»
الحكم صدر: السجن المشدد بتهمة تزوير أوراق رسمية، والنصب، والتحايل على القانون.
أول ما القاضي نطق بالحكم، حسيت إن جبل اتشال من فوق صدري. ياسين فضل واقف في القفص، باصص لي بنظرة رجاء أخيرة، كأنه مستني مني نظرة عطف أو دمعة واحدة.. بس أنا بصيت له ببرود تام، مسكت إيد "علي" وخرجنا من القاعة.
وهو بيتحرك عشان يروح الزنزانة، نادى بصوت مكسور: «فوزية! (أو اسم البطلة).. سامحيني يا أم علي!» ملتفتش ورايا، كملت طريقي وأنا بقول لابني: «يلا يا حبيبي، النهاردة بس هنروح نزور قبر "الكذب" اللي عشنا فيه، ونقفل الصفحة دي للأبد.»
سبته ورايا حزين، بياكله الندم على كل لحظة ضيعها وهو فاكر إن الهروب هو الحل. هو خسر كل حاجة؛ خسر حريته، وخسر فلوسه، والأهم إنه خسر "نظرة الفخر" اللي كانت في عين ابنه.
خرجت لشمس القاهرة، والنفس اللي سحبته كان أنقى نفس في حياتي. أنا مأخدتش بس حقي بالقانون، أنا استرديت روحي اللي
نرمين عادل همام
تم