اتخلوا عني أنا وبنتي وهي عندها يومين في عز عاصفة، وسابونا نمشي اتناشر ميل من المستشفى لحد أقرب مكان نعرف نروحه، وأمي ضحكت وقالت يمكن المطر يغسل الضعف منك، وأنا ساعتها كنت لسه بنزف من الولادة، بطني بتوجعني ورجلي مش شيلاني، ولابسة قميص المستشفى الخفيف اللي اتلزق في جسمي من البرد، وليلي جريس على كأني بخبيها جوه قلبي مش بس تحت البطانية، وببص في وشها الصغير اللي لسه مش فاهم حاجة من قسوة الدنيا وبحاول أستمد منه قوة مش موجودة عندي، وده كله بدأ قبلها بسنين وأنا عايشة في ريف أوريغون تحت سقف بيت شكله مثالي قدام الناس لكن جواه كان فيه برود يخلي العضم يسقع، أبويا ريتشارد هيل صاحب وكالة عربيات كبيرة معروفة في البلد، راجل الناس تحترمه وتهابه، وأمي مارغريت هيل متطوعة في الكنيسة وكل مناسبة خيرية لازم اسمها يتقال فيها، وأختي فيكتوريا كانت البنت الذهبية، شاطرة في المدرسة، ملكة حفلة التخرج، متجوزة دكتور أسنان ناجح قبل ما تكمل خمسة وعشرين سنة، وأنا كنت المفاجأة اللي جات متأخر، البنت اللي دايمًا لازم تثبت إنها تستاهل مكانها، اشتغلت على نفسي ودخلت تمريض وكنت برجع البيت بتعبانة ومبسوطة إني بعمل حاجة لها معنى، لكن ولا مرة سمعت كلمة فخر حقيقية، كانوا دايمًا شايفين فيا نقص مش شايفينه في غيري، لحد ما قابلت
لوكاس، نجار بسيط إيده مليانة خشب وخدوش بس قلبه أحن من أي حد قابلته، لما ضحكلي أول مرة حسيت إن حد شايفني بجد مش نسخة مقارنة بحد تاني، أهلي رفضوه من أول لحظة وقالوا إني أقدر أعمل أحسن، أحسن بمعاييرهم هم مش بمعايير قلبي، لكنه عمره ما طلب مني أختار بينه وبينهم، كان بيقوللي أنا عايزك مرتاحة وبس، ولما حملت وأنا عندي تمانية وعشرين سنة بكى من الفرح كأنه هو اللي اتولد من جديد، بينما أمي قالت توقيت سيء وأبويا سألنا عن الفلوس وكأن البيبي مشروع استثماري مش روح جاية الدنيا، والحمل كان صعب، ضغط عالي وراحة إجبارية في السرير وشهور خوف وقلق، ولوكس كان بيقوم بكل حاجة، يطبخ وينضف ويروح شغله ويرجع يطبطب عليا، دهّن أوضة البيبي بنفسجي فاتح وبنى سرير بإيده، وكل مسمار كان بيدقه كأنه بيثبت حلم، ولما ليلي جريس اتولدت بعد ساعات طويلة من الألم والخوف، ووزنها سبعة أرطال وأربع أونصات ومسكِت صباعي الصغير، حسيت لأول مرة بحب غير مشروط، حب مافيهوش مقارنة ولا حسابات، وبعد يومين قالوا أقدر أخرج من المستشفى، وفي نفس اليوم حصل حريق في ورشة لوكس وخسر أدواته وكل شغله، اضطر يسيبني ساعات عشان يتصرف، وأهلي وافقوا ييجوا ياخدوني، استنيت ساعات، اتصلت ومحدش رد، ولما أمي ردت أخيرًا كان في دوشة وضحك في الخلفية، كانوا بيحتفلوا بطفل فيكتوريا،
ولما جم أخيرًا والمطر بدأ ينزل، قالتلي من شباك العربية إنهم مش هياخدوني عشان أنا اخترت طريقي، وأبويا قال يمكن العاصفة تقويني، وسابونا، ومشيت، كل خطوة كانت نار في جرحي، والدم بينزل خفيف لكن مستمر، والطريق طويل ومظلم، وأنا بكلم ليلي وأقولها إحنا هنعدي، هنعدي عشان محدش غيرنا هيعدينا، المطر كان بيغرق شعري وهدومي ووشها الصغير، فكنت ألف جسمي حواليها عشان أبقى أنا الحيطة اللي بتحميها، وعدت عربيات قليلة محدش وقف غير راجل كبير طيب اسمه توم، شاف حالتي ووقف وسألني إذا كنت كويسة، أول ما حد سألني السؤال ده حسيت إني مش invisible، حكيتله وأنا بترعش، خدني هو ومراته آن بيتهم الصغير الدافي، نشفونا ولفوا ليلي في هدوم قديمة لبنتهم، وآن فضلت جنبي طول الليل تراقب النزيف وتديني شاي دافي وتقوللي إن الأمومة مش ضعف، وإن اللي يسيب بنته في المطر هو الضعيف مش هي، وفي نفس الوقت لوكس كان بيدور عليا زي المجنون، لحد ما وصل البيت ده ووقع على ركبته وهو شايفني عايشة، ومن الليلة دي حياتنا اتغيرت، توم ساعد لوكس يلاقي شغل مؤقت وبعدين سلفه أدوات بسيطة يرجع يشتغل بيها، وأنا بعد ما صحتي اتحسنت رجعت شغلي في التمريض، كنا بنعد الأيام والفلوس، وكتير ننام وإحنا قلقانين من بكرة، بس عمرنا ما نمنا وإحنا شاكين في بعض، سنة ورا سنة الورشة كبرت
شوية، وسمعة لوكس بقت كويسة عشان شغله متقن وضميره صاحي، وأنا بقيت ممرضة معروفة في القسم إني بصبر على المرضى زي ما كنت بتمنى حد يصبر عليا، وأهلي حاولوا يرجعوا لما سمعوا إننا واقفين على رجلينا، أمي قالت إنها كانت بتعلمني أعتمد على نفسي، وأبويا قال إن الشدة بتطلع أفضل ما فينا، لكني كنت عرفت خلاص إن العيلة مش اسم كبير ولا بيت واسع ولا صور مثالية قدام الناس، العيلة هي اللي تمسك إيدك وإنت واقع، اللي تقف جنبك وإنت ضعيف من غير ما تعايرك، امبارح ليلي طفت أربع شمعات، كانت لابسة فستان بنفسجي وبتضحك ضحكة تملى الدنيا، ولوكس واقف وراها بعينه اللامعة فخر، وتوم وآّن قاعدين جنبنا كأنهم جدودها الحقيقيين، وأنا واقفة أبص عليهم وأفتكر ليلة المطر، وأقول لنفسي لو المطر كان اختبار فإحنا نجحنا، مش لأننا أقوى من الألم لكن لأننا اخترنا مانبقاش نسخة من القسوة اللي اتربينا عليها، سابوني في عاصفة عشان أكسر، لكن العاصفة نفسها علمتني أبني، علمتني إن الضعف مش إنك تحتاج حد، الضعف إنك ترفض تحب، وأنا اخترت أحب، اخترت أبقى الأم اللي كنت محتاجة لها، واخترت أبني بيت دافي حتى لو ابتدى بمشوار اتناشر ميل في ليلة مطر، ومن ساعتها وأنا عارفة إن اللي يتساب من أهله مش نهاية حكايته، ده يمكن يكون أول سطر في قصة أقوى بكتير مما كانوا يتخيلوا.