اختي خافت علي طفلها مني

لمحة نيوز

أنا محرومة من الخِلْفة، الكلمة دي لوحدها كانت بتوجعني زمان، بس دلوقتي بقت جزء مني، جزء ساكت ومكسور ومتعايش مع الحقيقة بالعافية، سنين وأنا بجري ورا أمل كل شهر، تحليل ورا تحليل، دكاترة ووعود وحقن ومنشطات ودعاء في نص الليل، وفي الآخر دايمًا نفس النتيجة… فراغ، لحد ما في يوم قعدت قدام المراية وقلت كفاية، كفاية أستنى معجزة مش بتيجي، ولمّا أختي الصغيرة قالتلي إنها حامل حسيت بمشاعر متلخبطة، فرح حقيقي ليها، ووجع مستخبي جوايا، بس قررت إني أختار الفرح، قررت إن الطفل ده هيبقى حتة مني حتى لو مش من دمي، رميت كل حبي المكبوت عليه قبل ما يتولد أصلاً، أنا اللي خططت لحفلة معرفة نوع الجنين، أنا اللي اخترت الديكور، أنا اللي دفعت تمن السرير وعربية البيبي، وأنا اللي كنت بلف في محلات الأطفال ماسكة بيجامة صغيرة عليها بطات وبحاول أبتسم للموظفة وأنا دموعي محبوسة بالعافية، وأختي حضنتني يومها وقالتلي بصوت دافي “إنتي هتبقي العمة المفضلة، هو هيحبك أكتر من أي حد” صدقتها، كنت محتاجة أصدقها، كنت محتاجة أحس إن ليا مكان في الحكاية دي، وبعدين جه ميسون للدنيا، وقلبي اتفتح له من أول ما شفت صورته، جريت المستشفى شايلة ورد وهدايا وقلبي بيدق، بس أول ما قربت قالتلي خلي بالك من الفيروسات، المستشفى مليانة RSV، استني شوية، مازعلتش، قلت

عندها حق، بعدين روحت البيت تاني يوم قالتلي لسه صغير قوي، مناعته ضعيفة، استني لما يكبر شوية، عدي أسبوع، أسبوعين، تلاتة، وكل مرة نفس الأعذار، نام، تعبان، لسه رضع، بلاش دلوقتي، وكنت بسمع الكلام، بعقم إيدي لحد ما جلدي نشف، وأستنى، وأقنع نفسي إن ده خوف أم طبيعي، بس اللي كان بيوجع إن كل الناس كانت بتشيله غيري، شفت صور ابن خالتنا شايله وبيضحك، أمي بتحكيلي قد إيه ريحته حلوة وهو في حضنها، الجارة منزلة بوست عن أحلى حضن بيبي بعد ما عدّت عليهم بالعشا، وأنا؟ أنا العمة اللي دفعت تمن كل حاجة ومش مسموحلها تقرب، الوجع كان شخصي، كأنها مش خايفة عليه مني، كأنها خايفة عليّ منه، كأن وجودي نفسه خطر، الخميس اللي فات صحيت وقلبي تقيل، قررت ما أبعتش رسالة أستأذن، اشتريتله شوية طواقي صغيرة حلوين وقلت يمكن النهارده تبقى مختلفة، عربيتها كانت قدام البيت، الباب مش مقفول، ناديت محدش رد، سمعت صوت الدش فوق، وبعدين سمعت عياط، مش عياط عادي، عياط مفزوع بيقطع القلب، جريت على أوضته لقيته لوحده في السرير، وشه أحمر ورجليه بترفسوا، شيلته من غير تفكير، أول ما لمس صدري هدي، كأنه كان مستني حد، قلبي داب، ووقتها عيني جت على فخده، كان في لزق طبي صغير، طرفه مرفوع، فضولي وخوفي خلوني أشيله، واللي شفته خلاني أتجمد، علامة مش طبيعية، مش أثر تطعيم،
مش خربوش عادي، حاجة بتقول إن في ألم حصل، إيدي اترعشت، ساعتها سمعت خطوات تقيلة، أختي وقفت في باب الأوضة لافة فوطة، أول ما شافتني شايلة ميسون وباصّة على رجله وشها اتسحب، قالت بصوت مكسور “يا نهار أبيض… ماكنش المفروض تشوفي ده” بصتلها وقلبي بيدق في وداني وقلت “ده إيه؟” سكتت ثواني طويلة وبعدين قعدت على الأرض كأن رجليها مش شايلينها وقالت “مش أنا… والله مش أنا” كنت حاسة إن الأرض بتتهز تحتي، قالتلي إنها بقالها أيام حاسة إن في حاجة غلط، إن جوزها بيتضايق من عياط البيبي، وإنه مرة دخلت لقيته ماسكه جامد قوي وقال إنه بس بيحاول يسكتُه، وإنها صدقت نفسها لما قال إنه كان بيغير له وحصل احتكاك، بس العلامات كانت بتزيد، كل شوية تحط لزق وتقول يمكن حساسية، يمكن جلده حساس، كانت بتهرب من الحقيقة لأنها مش قادرة تستوعب إن اللي مفروض يحميه ممكن يكون بيأذيه، وأنا واقفة شايلة ميسون حاسة بمزيج غضب وخوف ووجع، سألتها ليه بتبعديني أنا؟ ليه أنا الوحيدة اللي ممنوعة؟ بصتلي ودموعها نازلة وقالت “عشان كنت خايفة تحبيه أكتر مني… وخايفة لو حسيتِ بحاجة تفضحيني قدامه، كنت بحاول أسيطر على كل حاجة، أبعد أي حد ممكن يلاحظ” ساعتها فهمت إن الموضوع ماكانش جراثيم، كان ذنب وخوف وإنكار، قلبي اتكسر عليها وعليه، قلتلها إن السكوت مش حماية، وإن لازم
نتصرف حالاً، في اللحظة دي الباب اتفتح وصوت مفاتيح رن، جوزها دخل، أول ما شافنا واقفين كده اتلخبط، عينه راحت على رجل ميسون المكشوفة، حاول يتكلم بس الكلمات خانته، أختي وقفت قدامه لأول مرة مش ضعيفة، قالتله بصوت ثابت رغم رعشتها “إنت مش هتقرب له تاني” حصلت مواجهة طويلة، إنكار وصوت عالي وبعدين صمت تقيل، وأنا واقفة جنبها مش بس كأخت، لكن كحد مستعد يحمي الطفل ده بأي تمن، اللي حصل بعد كده كان صعب، بلاغ، تحقيق، دموع، ليالي طويلة، بس أهم حاجة إن ميسون بقى آمن، أختي انتقلت تعيش عند أمي مؤقتًا، وأنا بقيت بروح كل يوم، أول مرة حطته في حضني من غير خوف، من غير أعذار، من غير لزق يخبي حقيقة، وبصتلي وقالت “أنا آسفة” وأنا قلتلها إن الأمومة مش بس ولادة، الأمومة شجاعة، شجاعة تعترفي بالغلط وتحمي ابنك حتى لو من أقرب الناس، دلوقتي بعد شهور، لسه في جراح بتلتئم، بس في حاجة اتغيرت جوايا، كنت فاكرة إن قلبي مكسور عشان مش هبقى أم، لكن اكتشفت إن الأمومة مش بس بيولوجي، الأمومة موقف، اختيار، حماية، وحب بيقف قصاد الخوف، وميسون كل ما يضحك  بحس إن ربنا عوضني بطريقة ما كنتش متخيلاها، وأختي كل ما تبصلي بعين مليانة امتنان أعرف إن الحقيقة رغم قسوتها أنقذتنا، ويمكن كسرتني للحظة، بس كمان قوتني بطريقة ما كنتش أعرف إني أقدر عليها.

تم نسخ الرابط