زوجي كان ينتظر وفاتي

لمحة نيوز

لما الدكاترة قالوا له إن مراته غالباً قدامها تلات أيام بالكتير، انحنى عليها وهو واقف جنب سريرها في المستشفى، ووشوشها بابتسامة باردة مليانة شماتة وهمس بصوت واطي ما يسمعوش غيرها: "خلاص هانت.. كل اللي حيلتك قريب قوي هيبقى ملكي." كان فاكر إن الأدوية مغرقة وعيها في ضباب، وإنها مش سامعة ولا فاهمة، لكن اللي ماكانش يعرفه أليخاندرو إن الست اللي شايفها قدامه ضعيفة ومستسلمة كانت بتخزن كل حرف قاله، وإن عقلها، رغم الألم اللي بياكل كبدها، شغال بدقة ساعة سويسرية، بيرسم خطة محسوبة بالمللي، خطة مش بس عشان تنتقم، لكن عشان تكشف حقيقته قدام العالم كله وتخليه يندم على اللحظة اللي افتكر فيها إنه كسب. لما لوسيا فتحت عينيها بالراحة كانت حاسة إن السقف بعيد ومشوش، وصوت الأجهزة حوالين سريرها عامل زي صفير متواصل، ومن بره الأوضة كانت سامعة دكتور بيقول بنبرة مهنية باردة: "التحاليل واضحة.. التليف متقدم.. قدامها تلات أيام بالكتير لو ما حصلش تدخل معجزة." والصوت التاني كان صوته هو، أليخاندرو، بنبرة متكسرة قدامهم: "اعملوا أي حاجة.. فلوس مش مشكلة." نفس الجملة اللي كان بيكررها قدام الناس دايماً عشان يحافظ على صورته كرجل أعمال ناجح وزوج وفيّ، لكن لما الباب اتقفل ودخل لوحده ومعاه بوكيه زنابق بيضا – ورد هي كانت طول عمرها بتكرهه لأنه بيفكرها بالجنازات – قرب منها ولمس إيدها وهمس باعترافه السام، وقتها فهمت إن المرض مش هو أخطر حاجة بتهدد حياتها، الخيانة والطمع هم اللي كانوا بيخنقوها بجد. أول ما خرج ومثل دور الزوج المكسور قدام الممرضين،

لوسيا سابت دمعة تنزل من طرف عينها، مش ضعف، لكن وداع لآخر ذرة حب كانت لسه عالقة جواها، وبمجرد ما سمعت خطوات خفيفة بتقرب، فتحت عينيها وشافت الممرضة الشابة كارمن رويز، بنت في أواخر العشرينات، عينيها فيهم طيبة واضحة وتعب سنين شغل في نوبات طويلة، ولما سألتها برفق إذا كانت محتاجة دكتور، مسكت لوسيا معصمها فجأة بقوة خلت كارمن تتجمد، وقالت بصوت خافت لكنه ثابت: "لو عايزة تغيري حياتك، اسمعيني وماتسأليش دلوقتي." في البداية افتكرت كارمن إن الهذيان بدأ، لكن لما شافت النظرة المركزة في عيونها فهمت إن الست دي واعية أكتر من أي حد في المستشفى، وبهدوء شديد بدأت لوسيا تحكيلها في جمل قصيرة متقطعة عن حسابات في جنيف، وعن أسهم شركة الشحن البحري اللي هي كانت صاحبة النسبة الأكبر فيها من قبل ما تتجوز، وعن شقة مدريد اللي اشتروها باسم مشترك بس بفلوسها هي، وعن وصية قديمة أليخاندرو فاكر إنها لسه سارية، لكنه مايعرفش إنها اتغيرت من ست شهور بعد ما بدأت تشك في تصرفاته، قالت لها إن في درج سري في مكتب بيتهم فيه فلاشة عليها تسجيلات لمكالماته وهو بيتفق مع محامي مخصوص عشان يسرّع إجراءات نقل الملكيات أول ما شهادة الوفاة تطلع، وقالت لها إن في رسالة إلكترونية مجدولة هتتبعت تلقائي لمجلس إدارة الشركة ولمجموعة من الصحفيين لو ما دخلتش كلمة سر معينة خلال 72 ساعة، كلمة السر دي محفوظة عند محاميها القديم اللي محدش يعرف عنه حاجة، وإنها محتاجة من كارمن بس حاجة واحدة: تخلي الكل يصدق إن حالتها بتسوء أسرع من المتوقع، وإنها تفصل جهاز المراقبة دقيقة
واحدة في وقت محدد عشان تسجل اعتراف جديد بصوته وهو فاكر إنها بتلفظ أنفاسها الأخيرة. كارمن كانت بتسمع وقلبها بيدق بعنف، بين خوف من فقدان شغلها وإغراء فرصة تغير مصيرها، لكن لما لوسيا قالت لها بهدوء: "مش بطلب منك تقتلي حد.. بطلب منك تساعديني أجيب حقي، وهتاخدي مقابل يكفيك عمرك كله وتكملي دراستك براحتك"، حسّت إن القدر حطها قدام مفترق طرق، وفي الليلة التانية، لما أليخاندرو دخل الأوضة بعد ما اتأكد من الدكتور إن النهاية قريبة، قرب منها تاني وابتدى يتمتم بكلمات نصها شفقة مزيفة ونصها حسابات، كارمن كانت واقفة برا بتراقب الوقت، ولما شافت الإشارة المتفق عليها دخلت بحجة تعديل المحاليل وفصلت صوت الجهاز دقيقة، في اللحظة دي فتح أليخاندرو قلبه الأسود أكتر، قال بصوت واضح: "تلات أيام كتير عليكي.. الشركة محتاجة قرار النهارده، بس ما تقلقيش، أول ما تمشي هظبط كل حاجة، حتى الناس اللي بتسأل عليكي هسكتهم"، كل كلمة كانت بتتسجل على جهاز صغير مخبي تحت المخدة، وبعدها رجعت الأجهزة تشتغل وعاد هو لتمثيله، لكن اللي ماكانش يعرفه إن لعبته بدأت تتفك، في اليوم التالت، قبل ما المهلة تخلص بساعات، دخل عليه اتصال من البنك في جنيف بيبلغه إن الحسابات اتجمدت بأمر قضائي، بعدها رسالة من مجلس الإدارة بطلب اجتماع طارئ بسبب تسريب تسجيلات خطيرة، وبعدها إشعار من المحكمة بفتح تحقيق في محاولة تلاعب بأصول مشتركة، كان واقف في ممر المستشفى والموبايل بيرن في إيده زي جرس إنذار لا يتوقف، رجع جري على أوضتها لقاها فاتحة عينيها بالكامل لأول مرة من أيام،
نظرتها ماكانش فيها ضعف ولا ضباب، كان فيها هدوء بارد زي بحر قبل العاصفة، حاول يتكلم لكن الكلمات خانته، فقالت له بصوت واطي لكنه مسموع: "افتكرتني لعبة سهلة؟ افتكرت إن المرض هيخليني ماحسبشهاش صح؟ أنا كنت بموت فعلاً.. بس مش قبل ما أظبط كل حاجة." في اللحظة دي دخل محاميها القديم ومعاه أوراق رسمية، وأبلغه إن الوصية اتغيرت وإن كل أصولها اتحولت لصندوق استثماري باسمها يُدار من مجلس مستقل، وإنه لو ثبتت عليه تهمة استغلال مريضة في حالة حرجة لنقل ملكيات، هيتحرم حتى من النسبة البسيطة اللي كانت مخصصة له، وشاف بعينه كارمن وهي واقفة جنب الباب بثبات، فهم متأخر إن السجادة اتسحبت من تحت رجليه فعلاً، وإن الست اللي استهان بيها كانت بتلعب لعبة أكبر بكتير من طمعه، وبعد أسابيع، لما حالتها استقرت بمعجزة طبية غير متوقعة واستجابت لعلاج تجريبي كان آخر أمل، خرجت من المستشفى أضعف جسدياً لكن أقوى من أي وقت فات، أليخاندرو كان بيواجه تحقيقات وخسارة سمعته اللي بناها سنين، أما هي فكانت قاعدة في شرفة شقة صغيرة اختارتها بنفسها، بتبص على شروق الشمس وبتتنفس بحرية لأول مرة من غير ظل خيانة فوق قلبها، عرفت إن المرض ممكن يكسر الجسد، لكن الخيانة هي اللي كانت هتكسر روحها لو سكتت، وعرفت إن أقسى رد على الشماتة مش الصراخ ولا الانتقام الأعمى، لكن التخطيط الهادئ اللي يخلي اللي استضعفك يصحى يلاقي كل حاجة كان بيحلم يسرقها اتحولت لسراب، وساعتها بس ابتسمت، مش ابتسامة شماتة، لكن ابتسامة حد استعاد نفسه، وانتصر في اللحظة اللي الكل كان فاكرها نهايته.

تم نسخ الرابط