ما قلتش لمرات أبويا التانية أنا وصلت لإيه في حياتي فضلت ساكتة عن كل ترقية عن كل مشروع ناجح عن كل صفقة بتمضي بختمي عن كل ساعة تعبت فيها عن كل فكرة نفذتها من غير حد يساعدني عن الشركة اللي بنيتها من الصفر وعرقت فيها وعن كل مرة كنت بواجه تحدي وحيدة وقدرت أعدي منه. بالنسبة لفاتن أنا لسه في نظرها البنت التايهة اللي محتاجة حد يوجهها الضيفة اللي ممكن تطنشها في عزومات العيلة من غير ما تعمل حساب لرد فعلها البنت اللي طول عمرها شايفاها ضعيفة وما تعملش حاجة صح اللي أي نجاح ليا عمره ما يستاهل احترامها. النهارده وأنا واقفة في القاعة الخاصة بمطار القاهرة الزجاج بيلمع والأرضيات زي المراية والضوء بيرتد من كل حتة وريحة وقود الطيارات مختلطة بريحة الفخامة اللي بتدي إحساس بالسلطة والنفوذ حسيت بعظمة اللحظة لكن مع شعور قديم إني دايما كنت ساكتة. فاتن كانت مسمعة الكل صوتها وبيضحكها بس غرورها كأن المكان كله ملكها كأنها النجمة اللي كل الناس لازم تصفق لها قبل ما تفكر تبص عليها. شاورت بصوابعها كأني شغالة عندها رمت لي شنطتها البراند في إيدي وزقتني عشان أشيلها وقالت بصوت عالي عشان الكابل اللي واقفين جنبنا يسمع شيلي دي.. هو ده أصلا اللي إنتي جاية عشانه. أبويا رأفت كان واقف وراها إيديه في جيبه وكأنه هينطق بس كالعادة ما عملش حاجة نادرا
ما كان بيتدخل لا لما كانت بتقول عليا فاشلة وأنا عندي ستاشر سنة ولا لما كانت تنسى تعزمني ولا حتى لما كانت تهزأني قدام الناس بس عشان تصغرني. أنا وقفت ساكتة والشنطة في إيدي وأنا عارفة إن أي كلمة هقولها هتتقابل بسخرية أو استهزاء فاتن نزلت النظارة الشمس شوية وضحكت ضحكة كلها ثقة وغرور وقالت اوعي تتوهي مننا. شاورت للموظفين ببرود ومشت في الصالة كأن المكان كله ملكها كل حركة فيها كانت محسوبة وكأنها بتعرض قوة وسلطة كل الناس حواليها شايفة إنها واحدة فوق الكل. بره على الممر كانت فيه طيارة خاصة فخمة بتلمع تحت الشمس زي المراية وحوافها معدنية لامعة كأنها قطعة فنية وما كلفتش خاطرها تبص على رقم الطيارة أو لوحة التسجيل طلعت السلم بكل غرور وهي بتقول من فوق كتفها أخيرا.. على الأقل عملتي حاجة صح النهاردة. مشيت وراها وأنا ساكتة تماما كل خطوة بأحس بثقل الشنطة في إيدي وبقوة كل اللي حققته من غير ما حد يلاحظ اتعلمت من زمان إن الكلام مع الست دي مش مناقشة دي تمثيلية وهي بتموت في دور البطولة. جوه الطيارة الكابينة كانت أنيقة وهادية الكراسي جلد طبيعي والخشب غامق وفخم وكل تفصيلة فيها مضبوطة كأنها صالون ملكي فاتن ربعت في أول كرسي كأنها بتقعد على العرش قالت للمضيفة من غير ما تبص في وشها عايزة مشروب بارد واكتبي لي باسورد الواي فاي بسرعة.
الطيارة بدأت تتحرك بالراحة عشان تستعد للإقلاع والهزة الخفيفة دي ملأت المكان بالترقب المعتاد كل ضغطة زر وكل صوت معدني كان بيرن في مسمعي وأنا متوترة ومتحمسة في نفس الوقت فاتن ساندت ضهرها لورا وبدأت ترسم في خيالها إزاي هتحكي للناس إنها عطفت عليا وخدتني معاها. فجأة صوت المحركات سكت الطيارة وقفت مكانها وساد صمت تقيل في الكابينة كل الأصوات اللي حواليها اختفت من الشباك شفت الطيار نزل من الكابينة ومشي في الممر بهدوء عينه عدت على فاتن ولا كأنها موجودة أصلا وقف قدامي أنا وحنى رأسه بكل احترام يا باشمهندسة إحنا جاهزين للإقلاع أول ما حضرتك تؤمري. فاتن بربشت بعينيها وهي مش فاهمة حاجة إيه ضحكت ضحكة قصيرة ومذهولة هو قال يا باشمهندسة قمت وقفت بالراحة حطيت شنطتها على الكرسي اللي جنبها وابتسمت أهدى ابتسامة عندي بعد إذنك.. انزلي من طيارتي. وفجأة كل شعور الغضب والدهشة ظهر في وشها كل حركة جسمها كانت محاولة لفهم اللي بيحصل وأنا واقفة بثبات كل خطوة وكل حركة محسوبة كل الناس حولنا شايفين الموقف كله كل اللي فاتن عمرها ما تخيلته قدرت أسيطر على كل حاجة من غير ما أصرخ أو أهدد كل اللي حصل كان بالهدوء والقوة بس الوضوح كان في عيني القدرة على التحكم في الموقف أنا اللي ماسكة زمام كل حاجة. فاتن قعدت على الكرسي اللي جنبها ساكتة عيونها
مليانة دهشة وارتباك وأنا دلوقتي ماسكة زمام الأمور أخدت شنطتها ورتبت كل حاجتها طلبت من الطيار يرجع للكابينة والطيارة أقلعت في وقتها وأنا قادرة أبتسم مش بس عشان أنا حققت اللي كنت مستنيه لكن عشان النهارده ولأول مرة فاتن شافت قد إيه أنا قوية قد إيه أنا اللي كنت ساكتة عن كل حاجة وأنا اللي مسكت زمام حياتي بإيدي ما فيش أي حد يقدر يقلل مني تاني مش أبويا ولا أي حد من اللي فاكرين إنهم دايما أكبر مني أنا أخدت حقي بالهدوء والقوة وباللي استحقه. الطيارة ارتفعت فوق السحاب وأنا حاسة بحرية ما حسيتهاش قبل كده كل ضغوط سنين كل الإهانة كل التجاهل اتحولوا لنجاح والنجاح ده كان صوتي المسموع حضوري اللي ماحدش يقدر يلغي وفاتن قاعدة جنب الكرسي ساكتة وأنا عارفة إن ده مش مجرد انتقام ده إعلان رسمي لكل اللي قالوا إني صغيرة أو ضعيفة النهارده أنا اللي مسكت زمام اللعبة وأنا اللي هافضل واقفة قوية مستقلة واللي هيحاول يقلل مني هيعرف إن كل كلمة أهينت بيها اتحولت لطاقة لتحقيق أكبر من أي حد توقعه وكل حركة من الحركات اللي كنت ساكتة فيها بقت سلاح وكل لحظة ضعف كانت دافع لقوة وأنا شايفة من شباك الطيارة المدينة كلها تحتنا وعارفة إن ده بداية حياة جديدة حياة مليانة نجاح احترام وسيطرة على كل اللي كان مفروض يتحكم فيا فاتن ساكتة والدهشة في وشها وأنا