حمل الأمانة

لمحة نيوز

اللي يرمي ضناه عشان خايف من الجوع، بكرة يدور عليه وهو معاه كنوز الدنيا وما يلاقيش حتى نظرة رحمة، ودي مش حكمة بتتقال وخلاص، دي حكاية اتكتبت بدموع ست اسمها ماريا في شتاء سنة 1995، ليلة كانت السما فيها بتصب مطر كأنه غضب، والبيت الطيني الصغير في طرف القرية بيترج من صريخ خمس أطفال لسه شايفين الدنيا لأول مرة، ماريا كانت ممددة على حصيرة قديمة، وشها أصفر من التعب وجسمها مرهق بعد ما ولدت خماسي، خمس أرواح جم في لحظة واحدة من غير استئذان من فقر ولا حسابات، كانت حاضنة اتنين على صدرها والتلاتة نايمين جنبها ملفوفين في بطاطين خفيفة بالكاد تقيهم البرد، عينيها مليانة خوف لكن فيها يقين غريب إن ربنا مش ممكن يسيبهم، وفي الركن التاني من الأوضة كان رامون بيلم هدومه بعصبية في شنطة مهلهلة وهو بيزعق بصوت أعلى من الرعد خمسة يا ماريا خمسة مرة واحدة إحنا مش لاقيين ناكل عشان نفتح خمس بقق جديدة إنتي عايزة تموتينا من الجوع، ماريا بصت له برجاء وقالت بصوت مكسور يا رامون دول رزقنا وربنا اللي بعتهم مش هيسيبنا ساعدني بس إيد على إيد نعديها، لكنه كان شايفهم لعنة مش نعمة، شايفهم قيد هيكسر طموحه، قرب منها وزقها بقسوة وقعت على الأرض وهي لسه ماسكة طفلين، وقال أنا مش مستعد أدفن نفسي هنا أنا عايز أبقى بني آدم مش عبد للفقر، وبلا رحمة مد إيده تحت المخدة وطلع القرشين اللي كانت مخبياهم عشان تشتري لبن، صرخت فيه حرام عليك ده تمن لبن العيال،

رد ببرود ده تمن القرف اللي عيشتيني فيه، وخرج من البيت تحت المطر من غير ما يبص وراه، ركب أتوبيس رايح على المنصورة ومنها على القاهرة وهو سامع الصريخ بيجري وراه زي لعنة لكنه اختار يقفل قلبه ويمشي، ومن اللحظة دي اتكتب على ماريا تبقى أم وأب في نفس الوقت، اشتغلت في بيوت الناس تغسل وتمسح وتطبخ، نزلت الغيط تشيل طين بإيديها الضعيفة، باعت دهبها البسيط، نامت ساعات قليلة وقامت قبل الفجر عشان تلحق تخبز عيش وتلحق شغل، كانت كل ما تتعب تبص في وشوش الخمسة وتقول دول سندي، كبروا قدام عينيها وهي بتزرع فيهم قيمة الكرامة قبل الأكل، كانت تحكي لهم عن أبوهم من غير ما تشوه صورته وتقول لهم الإنسان بيتحاسب على اختياراته، الخمسة كانوا نسخة من بعض في الملامح لكن مختلفين في الأحلام، واحد كان شغوف بالقانون يحفظ مواد الدستور وهو لسه في إعدادي، التاني قلبه طيب يحب الطب ويداوي عيال الجيران، التالت كان بيعشق النظام ولبس البدلة الميري، الرابع دماغه هندسية يفك أي حاجة ويعيد تركيبها، والخامسة بنت قوية بعقل تاجر صغير، ماريا كانت بتشجعهم وتقول لهم التعليم هو السلاح، وعدت سنين الفقر تقيلة لكن عمرها ما مدت إيدها لحد، ومع الأيام بدأ تعبها يجيب ثماره، ابنها الكبير دخل كلية الحقوق وبقى مستشار معروف، التاني اتخرج طبيب شاطر، التالت بقى ضابط محترم، الرابع مهندس ناجح، والبنت بنت شركة واسمها بقى بيتقال باحترام في البلد كلها، والناس كانت تبص
لماريا بإعجاب وتقول الست دي عملت معجزة، وهي كانت تبتسم وتقول لا دي رحمة ربنا، بعد تلاتين سنة كاملة رجع رامون القرية، لكن مش الشاب اللي كان بيحلم بالمجد، رجع راجل مكسور، شعره أبيض، جسمه مهلوك، فلوسه راحت في صفقات خسرانة وناس ضحكت عليه، سمع إن ولاده بقوا حاجة كبيرة وإن بيتهم بقى أفخم بيت في البلد، فقرر يرجع مش بدافع الحنين لكن بدافع الطمع، وقف قدام الفيلا الكبيرة وقلبه بيدق بين خوف وأمل، الباب اتفتح ولقى خمس شباب واقفين قدامه شبهه في الملامح لكن مفيش دفء في عيونهم، حاول يمثل الضعف وقال أنا أبوكم وجيت أطلب السماح وأكيد مش هتسيبوا أبوكم يموت لوحده، الكبير قرب منه بهدوء وقال إحنا فعلاً بندور عليك من زمان، عيون رامون لمعت وافتكر إن الباب اتفتح له على كنز، قال كنت عارف إن قلبي فيكم، رد الشاب بصوت ثابت إحنا بندور عليك عشان نسلمك أمانة، تمن اللبن اللي سرقته ليلة ما سبتنا وإحنا بنموت من الجوع، وإحنا كبرنا وتعلمنا وبقينا نعرف يعني إيه مسؤولية، وبصفتي مستشار قانوني وإخواتي طبيب وضابط ومهندس وسيدة أعمال قررنا نطالبك بحقوق أمنا كاملة بالقانون، مش انتقام لكن عدل، ماريا خرجت وقتها من جوه البيت، شعرها شاب لكن وشها منور بعزة غريبة، بصت لرامون نظرة طويلة فيها وجع سنين، هو حاول يقرب منها ويقول سامحيني يا ماريا كنت غبي، قالت له بهدوء الغلط مش إنك مشيت الغلط إنك سرقت قوت عيالك، إحنا عشنا وتعبنا وكبرنا من غيرك ومحتجناش
غير ربنا وبعض، التسامح مش كلمة تتقال عشان تاخد مقابل، لو عايز تسامح حقيقي روح سامح نفسك الأول وارجع لربنا، ولادي مش ملزمين يشيلوا نتيجة هروبك، رامون حس إن الأرض بتسحب منه، لأول مرة يفهم إن النجاح اللي كان بيجري وراه كان تحت رجليه طول الوقت، حاول يترجاهم لكن نظراتهم كانت حازمة مش قاسية، هم مش قلوبهم حجر لكن اتعلموا إن الكرامة أهم من العاطفة، رفعوا عليه دعوى عشان يستردوا حق أمهم المادي، لكنه الأهم إنهم استردوا حقهم المعنوي، رامون خرج من البيت وهو منحني الظهر أكتر من سنه، مش بس عشان المرض لكن عشان الندم، وماريا لما سألوها هتسامحيه قالت أنا سامحته بيني وبين ربنا عشان قلبي يرتاح لكن ده لا يعني أرجعه لحياتي، اللي اختار يمشي وقت الشدة ما يرجعش وقت الحصاد، وفي ليلة هادئة بعد ما الأولاد ناموا في بيوتهم المستقلة، ماريا قعدت لوحدها تبص للسما وتفتكر ليلة المطر القديمة، ابتسمت وقالت الحمد لله إن الحمل اللي قالوا عليه تقيل طلع هو النور اللي شالني، والحكاية خلصت بدرس واحد اللي يهرب من مسؤوليته عشان خايف من الجوع ممكن يعيش سنين يطارد لقمة، لكن عمره ما هيشبع من إحساس الفقد، واللي يصبر على التعب ويشيل حمله بحب، ربنا بيبدل خوفه أمان وفقره غنى ودموعه فرح، ودي النهاية اللي تبرد القلب لأن العدل اتاخد مش بالصوت العالي لكن بالصبر، واللي رمى ضناه اكتشف متأخر إن أغلى كنز في الدنيا كان بين إيديه وهو اللي فرط فيه.

تم نسخ الرابط