في الصباح ده ريكاردو صحي والابتسامة مش مفارقة وشه ابتسامة بمليون دولار حرفيا لأنه أخيرا حس إن الدنيا انحنت قدامه واعترفت إنه كسب الجولة كان لسه مخلص صفقة العمر اللي ضاعفت ثروته وخليت اسمه يتقال في كل المكاتب الفخمة وقرر يحتفل بالطريقة اللي تليق بيه يركب اليخت الجديد بتاعه أغلى يخت في المينا كلها يخت أبيض لامع زي قطعة سحاب نازلة على البحر متجهز بكل رفاهية ممكن تتخيلها من الجاكوزي اللي بيطل على الموج لغرفة القيادة اللي فيها أحدث أنظمة الملاحة كل حاجة كانت متنسقة كأنها لوحة مرسومة بعناية السما صافية كأنها بتبارك اليوم ده الهوا خفيف ومنعش الشراب متغرق في التلج وبيستناه يرفع الكاس احتفالا والطاقم كله واقف باستعداد عيونهم عليه مستنيين إشارة صغيرة من إيده عشان يبدأ العرض وهو ماشي على الرصيف الخشبي ببدلته الكتان البيضاء ونضارته الشمسية الغالية كان حاسس إنه ملك العالم وإن مفيش حاجة ممكن تعكر مزاجه أو توقفه الناس بتبص له بإعجاب ممزوج بحسد وهو كان مستمتع بكل نظرة بكل همسة بكل صوت جزمته الإيطالي وهو بيرن بثقة على الخشب وفجأة شاف حاجة قطعت المشهد المثالي ده زي حجر في مية هادية بنت صغيرة يا دوب عندها تمانية سنين حافية القدمين شعرها منكوش هدومها قديمة ومقطعة واقفة قدام اليخت اللي بتلاتة مليون دولار ومانعاه يعدي كأنها حارس بوابة مش شايف غيره الأمن كان بيجري عليها عشان يبعدوها
من المينا لأن شكلها مش لايق على المكان لكن قبل ما يلمسوها عينيها اتعلقت بعيني ريكاردو وفي اللحظة دي الزمن بطأ كان في نظرتها حاجة غريبة خوف صادق مش تمثيل رجاء مش متصنع صرخت فيه بقلب محروق وقالت يا بيه أرجوك متركبش المركب دي الصوت طلع منها مرتعش لكنه قوي خلى جلده يقشعر رغم إنه حاول يضحك بتوتر ويتمالك نفسه وقال لنفسه إزاي حتة عيلة من أطفال الشوارع هتحذرني أنا الموضوع شكله ساذج ومضحك فخد خطوة لقدام عشان يركب كأنه بيكسر تأثير كلامها لكنها جريت ووقفت قدامه تاني وسدت السكة وقالت أبوس إيدك أنا حلمت حلم وحش أوي مبارح شفت وشك وشفت المية وشفت كل حاجة بتغرق كانت بتتكلم بسرعة كأنها خايفة الوقت يخلص قبل ما تنقذه الحراس مسكوها من كتافها عشان يبعدوها لكنها فضلت تبص له بعينين مليانين دموع ريكاردو رفع إيده وأمرهم يسيبوها وهو نفسه مش فاهم ليه عمل كده يمكن لأن في لحظة ضعف صغيرة جواه صدقها يمكن لأن حاجة قديمة جواه افتكرت أمه وهي بتحذره من قرارات متهورة زمان سألها بصوت هادي إنتي اسمك إيه قالت له اسمي ليلى قال لها ليلى وإنتي فاكرة إن حلم هيوقف صفقة احتفال زي ده هزت راسها وقالت أنا مش فاهمة في الفلوس بس أنا شفتك بتقع في المية والناس بتجري وبتصرخ ومفيش حد لحقك الكلمات دي خبطت في قلبه خبط غريب حاول يطرد الفكرة من دماغه وقال لنفسه ده مجرد خوف طفلة لكن وهو بيبص لليخت حس فجأة إنه مش
شايفه بنفس النظرة بقى شايفه ككتلة معدن ضخمة واقفة فوق بحر عميق محدش يضمن غدره ومع ذلك قرر يكمل لأنه مش متعود يتراجع ركب اليخت وهو بيحاول ينسى كلامها لكن قبل ما يتحرك بخطوات قليلة على السلم سمع صوتها تاني بتصرخ خليه يفحص الموتور يا بيه الكلمة دي علقت في ودنه الموتور افتكر إنه استعجل الاستلام وما انتظرش الفحص الأخير بنفسه لأنه كان واثق في الشركة وقف لحظة وتردد الطاقم مستني إشارته عشان يفكوا الحبال والناس بتتفرج ولو وقف دلوقتي هيبان كأنه صدق حكاية طفلة لكن فجأة حس بحاجة تقيلة على صدره خوف غامض فلف ناحية كبير المهندسين وقال له اعمل فحص سريع على الموتور وأنظمة الأمان قبل ما نتحرك المهندس استغرب وقال له يا فندم كل حاجة اتفحصت لكنه أصر وقال عايز أتأكد بنفسي الدقايق عدت ببطء والناس بدأت تهمس ليلى واقفة بعيد بتبص له وكأنها مستنية الحكم وفجأة سمعوا صوت خبط جاي من تحت المهندس خرج وشه متغير وقال في تسريب بنزين صغير تحت في غرفة المحرك واضح إن في وصلة مش متثبتة كويس ولو كنا تحركنا ومع الضغط والحرارة كان ممكن يحصل انفجار الكلمة دي وقعت زي قنبلة صامتة ريكاردو حس برجله بتضعف للحظة تخيل نفسه في عرض البحر والانفجار يحصل واليخت يتحول لنار عايمة تخيل المية حواليه والنار بتاكل كل حاجة تخيل الصراخ والغرق كل الصورة اللي وصفتها ليلى اتجمعت قدامه في ثانية سكت ومقدرش ينطق الناس اللي
كانت بتبص بإعجاب بقت بتبص بدهشة الأمن اللي كان عايز يطرد الطفلة بقى باصصلها بخوف ريكاردو نزل من على السلم بخطوات أبطأ مشي ناحية ليلى وهو بيحاول يستوعب إنه كان على بعد دقائق من كارثة ركع قدامها عشان يبقى في مستواها وقال لها إنتي أنقذتي حياتي هي بصت له ببراءة وقالت أنا بس قلت اللي شفته سألتها عايشة فين قالت له إنها بتنام مع أمها المريضة في أوضة صغيرة وبتبيع مناديل عشان يجيبوا أكل في اللحظة دي حس إن كل فلوسه واليخت والبدلة البيضا فقدوا بريقهم قدام صدق طفلة حافية أمر طاقمه يأجل الرحلة لحد ما يتصلح كل عيب مهما كان صغير وبعدين خد قرار أكبر من أي صفقة عملها قال لمساعده يتواصل فورا مع مستشفى كويس يعالج أم ليلى على حسابه ويوفر لهم بيت آمن وتعليم للبنت مش صدقة عابرة لكن التزام حقيقي ليلى كانت مش فاهمة هو بيعمل كل ده ليه قال لها لأنك فكرتيني إن الحياة أغلى من أي احتفال وإن الغرور ممكن يعمينا في الأيام اللي بعد كده الصحف كتبت عن المليونير اللي نجا من انفجار يخت بسبب فحص في اللحظة الأخيرة لكن محدش عرف إن السبب الحقيقي كان طفلة فقيرة حلمت كابوس وخافت على راجل متعرفوش ريكاردو رجع لليخت بعد ما اتصلح واتأكد من كل مسمار فيه لكنه المرة دي ركب وهو متواضع من غير استعراض ومن غير إحساس إنه ملك العالم لأنه فهم إن أقوى حد ممكن يقع في ثانية وإن النجاة ممكن تيجي على لسان بنت صغيرة