كنت واقفة قدام المراية في أوضتي الصغيرة، ماسكة الطرحة بين إيديا وبلفها حوالين راسي للمرة التالتة، مش عشان مش عاجباني… لكن عشان يمكن لو ظبطها صح، أبقى “أحسن شوية” في عينه. من ساعة ما أخوه توفى ومراته “عبير” بقت أرملة وهي ساكنة مع حماتي، وحياتي اتحولت لمقارنة مفتوحة طول الوقت. “بصي عبير بتلبس إزاي… بصي ذوقها عامل إزاي… شوفي أمي بتحبها قد إيه… حتى إخواتي شايفينها ست بمية راجل.” كلمات خالد بقت زي خلفية ثابتة في يومي، بتتقال بهدوء قاتل، بس بتسيب جروح أعمق من أي خناقة. يومها دخل الأوضة وهو ماسك موبايله، رمقني بنظرة سريعة وقال ببرود مستفز: ما تحاولي تشوفي عبير بتجيب لبسها منين؟ لبسها دايماً شيك ومنور، مش عارف إنتي ليه غاوية الألوان المطفيّة دي. حسيت الكلمة بتغرس في صدري، كنت لابسة فستان جديد شرياه من مرتبي بعد ما حوشت شهرين، بس طبعاً ده ما يبانش قدام “عبير”. قلت له بهدوء وأنا ببص لنفسي في المراية: عبير ذوقها مختلف يا خالد، وبعدين أنا مش عبير. ضحك ضحكة باستخفاف وقال: يا ريتك كنتِ نصها، مش بس في اللبس،
ده حتى أمي وإخواتي بيحلفوا بأدبها وشطارتها. الكلمة الأخيرة فضلت ترن في وداني طول الطريق لبيت حماتي. أول ما دخلنا الصالون، كانت عبير قاعدة في النص، لابسة فستان سماوي ناعم، وشها متزين بمكياج خفيف، وحماتي ماسكة إيدها كأنها بنتها الوحيدة، وبتقول بصوت عالي: والله يا عبير يا بنتي إنتي اللي بتعرفي تفتحي نفسي، مش زي ناس داخلين علينا بوش يقطع الخميرة. الضحكة اللي ضحكها خالد ساعتها وهو بيقول هو في زي عبير؟ كانت زي صفعة قدام الكل. حاولت أبتسم، حاولت أبلع الإهانة زي كل مرة، لكن اللي حصل بعدها كان فوق احتمالي. خالد قعد جنب عبير، وبص لأمه وقال وهو بيضحك: الواحد ساعات بيحس إن الدنيا ظلمت عبير بموت أخويا… ياريت بس توافق تتجوزني وأخليها ملكة متوجة. الصمت اللي ساد المكان كان تقيل، بس جوايا كان في انفجار. حماتي زغردت بنص ضحكة وقالت: يا ريت يا ضنايا، أهي دي النسوان اللي تملى العين. عبير نزلت عينيها بكسوف مصطنع، بس في طرف شفايفها كان في انتصار واضح. في اللحظة دي حسيت إن كرامتي بتنداس قدام عيني، وإن سكوتي كل السنين
اللي فاتت هو اللي وصلهم للجرأة دي. بصيت لخالد وبصوت ثابت لأول مرة قلت: مبروك عليكوا بعض مقدماً. الدنيا سكتت، خالد قال بانفعال: إنتي بتخرفي؟ قلتله وأنا بقلع دبلتي قدامهم وحطيتها على الترابيزة: لا، أنا بفوق. لو شايف إن سعادتك مع عبير، روح لها، بس من غير ما تهين مراتي قدام الناس. حماتي صرخت وقالت إنتي اتجننتي؟ قلت لها لأ، أنا اتعلمت. اتعلمت إن اللي مش شايف قيمتي ما يستاهلش أضيع عمري معاه. سبت البيت ومشيت، ورايا همسات وصدمات، لكن جوايا لأول مرة كان في هدوء. رجعت شقتي، قعدت على السرير وبكيت، مش عشان زعلانة عليه، لكن عشان كنت مستحملة كل ده سنين. الأيام اللي بعد كده كانت صعبة، خالد حاول يرجع يبرر ويقول إنه كان بيهزر، وإنه ما يقصدش، وإن أمه ضغطت عليه، لكني كنت خلاص شفت الحقيقة. الحقيقة إن الراجل اللي يقارن مراته بست تانية طول الوقت عمره ما هيشوف جمالها حتى لو لبست دهب. بعد شهرين نقلت شغلي لفرع تاني وبدأت آخد كورسات تطوير في مجالي، واهتميت بنفسي مش عشان أبقى زي عبير، لكن عشان أبقى أنا. لبسي بقى أجرأ شوية،
ضحكتي بقت أوسع، وثقتي في نفسي رجعت واحدة واحدة. في يوم كنت ماشية في مول قريب من شغلي، لمحت خالد جاي ناحيتي، كان شكله مرهق، عينه مش بنفس اللمعة اللي كانت وهو بيبص لعبير. وقف قدامي وقال: إنتي اتغيرتي. ابتسمت وقلت: لأ، أنا بس بطلت أصدق إني أقل من حد. حاول يفتح موضوع الرجوع، وقال إن أمه اختلفت مع عبير، وإنها طلعت مش زي ما كانوا فاكرين، وإن البيت بقى مليان مشاكل. ساعتها بس فهمت إن الصورة اللي كانوا راسمينها لعبير كانت وهم، وإن المقارنة كانت مجرد هروب من عيوبهم هم. قلتله بهدوء: أنا مش مشروع بديل لما تكتشفوا إن الاختيار كان غلط. أنا كنت مراتك، شريكة حياتك، وإنت اخترت تكسّرني بدل ما تقدرني. سبتُه واقف ومشيت، قلبي كان بيدق، بس مش خوف… قوة. بعد شهور قليلة، اتطلقت رسمياً، وبدأت صفحة جديدة، يمكن مش كاملة ومثالية، لكن حقيقية. اتعلمت إن المقارنة سُم بيدمر أي علاقة، وإن اللي يحبك بجد يشوفك بعينه إنتي، مش بعين حد تاني. ويمكن عبير كسبت إعجابهم فترة، ويمكن خالد ندم، لكن أنا كسبت نفسي. وده كان أعظم انتصار.