قاعدت نورهان في نص الصالة لحظة واحدة قبل ما تمسك المقشة، لحظة بس كفاية إنها تفهم إن اللي حصل مش مجرد ظلم عادي، ده كسر روح ومحاولة إذلال متعمد، بصت لعبير اللي كانت عاملة نفسها تعبانة ومظلومة وقالت بهدوء غريب مش شبه النار اللي جواها: "حاضر يا عبير هبدأ بالأوضة الجوانية" ومشت ناحية الأوضة وهي بتشد نفس طويل كأنها بتجمع شتات نفسها، كانت إيديها بترتعش وهي بتمسح التراب لكن عقلها كان صاحي جدًا، كل تفصيلة حصلت من ساعة ما سمعت تكة المفتاح وهي محبوسة لحد لحظة دفن أمها من غير ما تشوفها كانت بتتخزن جوه صدرها زي دين لازم يترد، خلصت الأوضة الأولى وبعدين التانية وبعدين المطبخ، اشتغلت من غير ما تتكلم ولا كلمة، وعبير كل شوية تدخل تبص وتقول ملاحظات مستفزة زي "ركزي في الزوايا" و"متنسيش تلمي تحت السرير" ونورهان كانت بترد بكلمة واحدة "حاضر" وصوتها واطي لكنه ثابت، بعد ساعة ونص كانت الشقة بتلمع، دخلت المطبخ وبدأت تطبخ، قطعت الخضار وحشت المحشي وحطت الحلة على النار، ريحة الأكل بدأت تملأ المكان وعبير خرجت من أوضتها تقول بسخرية "أهو كده الشغل الصح" لكن اللي ما كانتش تعرفه إن نورهان كانت بتسجل كل حاجة، من أول ما دخلت الشقة فعلت تسجيل صوت على موبايلها وحطته في جيب عبايتها، مسجل كل كلمة
إهانة وكل اتفاق على إنها مش هتروح عزا أمها غير لما تخلص الخدمة، ولما المحشي استوى طفت النار ورتبت السفرة، وقبل ما تكلم حماتها زي ما طلبت منها عبير، بصت لعبير نظرة طويلة وقالت بهدوء غريب "مبروك عليكي الشقة النضيفة يا عبير، ومبروك عليكي الخدمة اللي انتي وأمك فاكرينها حق مكتسب" عبير اتضايقت وقالت "خلصتي رغي؟ كلمي ماما بقى" نورهان مسكت الموبايل قدامها وضغطت إنهاء التسجيل وبصتلها في عينيها وقالت "كلمّيها انتي، وقولي لها إن اللعبة خلصت" عبير اتلخبطت ومكنتش فاهمة، بعد دقايق دخل عادل الشقة مكشر وواقف مستني ياخدها على العزا ساعة ويرجعها زي ما أمه أمرت، نورهان خرجت من المطبخ بهدوء ووشها شاحب من التعب والضرب لكن عينيها فيها قوة جديدة، قالت له قدام أخته "قبل ما أمشي على العزا، عندي حاجة تسمعوها" عادل اتعصب وقال "مش وقته الهبل ده" لكنها فتحت التسجيل وشغلت الجزء اللي نعمات فيه بتقول ببرود "قولتلك روحي نظفي شقة بنتي وانتي اللي ركبتي راسك اشربي بقى" والجزء اللي بتعترف فيه إنها منعتهم يروحوا العزا عشان أخوها قال كلمة مش عاجباها، سكت المكان، عبير وشها اصفر وعادل عينه وسعت، نورهان كملت بهدوء "التسجيل ده متبعت لثلاث أرقام من صحابي ولو حصلي حاجة أو حاولتوا تحبسوني تاني هيوصل لأخويا
ولمحامي ولمباحث القسم" عادل اتوتر وقال "انتي بتهددينا؟" قالت له "أنا بحمي نفسي، زي ما كان مفروض تحميني وانت جوزي مش تبقى سوط في إيد أمك" لأول مرة عادل ما يلاقيش رد جاهز، عبير حاولت تقول إنها كانت بتهزر لكن صوتها كان مهزوز، نورهان لبست طرحتها السودة وعدلتها وقالت "دلوقتي هروح عزا أمي مش بإذن حد، ولو رجعت البيت ده تاني هيكون عشان آخد هدومي بس" عادل حاول يمسك دراعها لكنها سحبت نفسها بقوة وقالت "لمسني تاني وهعتبره اعتداء وهكمل الباقي قانوني" خرجت من الشقة وسابتهم واقفين مذهولين، وصلت بيت أمها متأخرة يوم لكن دخلت العزا وعيون الناس عليها، أخوها أول ما شافها حضنها وهي انهارت في حضنه وبكت بوجع الأيام اللي فاتت، همست له بكل اللي حصل وسمع التسجيل وصوته اتغير وقال "حقك هيرجع" في الأيام اللي بعدها نورهان ما رجعتش بيت جوزها، أخوها ومحامي الأسرة قدموا بلاغ بحبسها وضربها ومنعها من حضور دفن أمها، والتسجيل كان دليل واضح، عادل حاول ييجي يصالحها ويقول إن أمه ضغطت عليه وإنه ماكانش قصده، لكنها بصت له نظرة خلت كلامه يقف في حلقه وقالت "الراجل بيتعرف وقت الشدة وانت اخترت تبقى ابن بس مش زوج" نعمات حاولت تبعت ناس كبيرة تصلح الموضوع لكن كل مرة كانت نورهان ترد بهدوء إنها مش عايزة غير
حقها وكرامتها، القضية خدت وقت لكن الحكم جه بحبس مع إيقاف التنفيذ لعادل وغرامة وتعهد بعدم التعرض، ونعمات اتسجل ضدها محضر تهديد ومنع حرية، أهم من الحكم كان إن نورهان طلعت من الدائرة دي، اشتغلت وسكنت في شقة صغيرة قريبة من شغلها، كل ما تفتكر أمها كانت توجعها الذكرى إنها ماحضرتش دفنها، لكن كانت بتواسي نفسها إنها على الأقل ما سكتتش على الظلم، بعد شهور حاول عادل يرجعها وقال إنه مستعد يعيش بعيد عن أمه، لكنها كانت اتغيرت، البنت اللي كانت محبوسة وبتضرب على باب مقفول بقت ست تعرف إن كرامتها مش سلعة تتبدل بتنضيف شقة أو حلة محشي، قالت له آخر كلمة وهي قافلة الباب بهدوء "أمي ماتت وأنا محبوسة، بس أنا اتولدت من جديد اليوم ده، ومش هرجع أموت تاني بإيدي" وقفلت الباب وسندت ضهرها عليه مش عشان تبكي المرة دي، لكن عشان تاخد نفس عميق وتحس إن الباب اللي اتقفل المرة دي كان باختيارها هي، ومن يومها بقت كل ما تشوف ست مكسورة تحكي لها حكايتها وتقول لها إن الظلم عمره ما كان قدر، وإن أقسى لحظة ممكن تكون بداية أقوى نسخة من روحنا، ونورهان ما نسيتش أمها ولا دمعتها، لكنها خلت وجعها وقود لحياة جديدة ما فيهاش نعمات تتحكم ولا عادل يكسر، حياة عنوانها كرامة، واللي اتكسر فيها زمان اتصلح بإيدها هي.