أختي قالت لأهلي إني فشلت في الطب.. قاطعوني خمس سنين.. والنهاردة دخلت الطوارئ عشان أنقذ حياتها! أختي كندرا دمرت حياتي بمكالمة واحدة كذبة واحدة قالت فيها إني سبت كلية الطب فجأة أهلي قفلوا كل الأبواب في وشي والدي قفل حساب البنك كأني سارقة وأمي بعتت لي رسالة واحدة متكلميناش غير لما تصلحي حالك. يومها كنت لسه خارجة من معمل التشريح ريحتي فورمالين لازقة في هدومي وشعري وإيدي بترتعش من الإرهاق مش من الفشل ووقفت تحت شجرة قدام السكن أبكي زي طفلة ضاعت منها لعبتها الوحيدة. حاولت أثبت لهم الحقيقة بكل الطرق بعت درجاتي بعت إثبات قيد مختوم من الكلية اتصلت بيهم من رقم صاحبة ليا لما رقمي اتعمله حظر حتى طلبت من عميد الدفعة يكلم والدي بس كندرا كانت سابقة بخطوة كانت بتقولهم إني بضغط عليهم وبداري كسلي وبدور على أعذار وأهلي صدقوها صدقوا الكدبة عشان كانت أسهل عليهم من إنهم يصدقوا إن عندهم بنت بتعاني نفسيا وبتغير من أختها وبتكذب عشان تفضل هي الضحية المدللة. في أسبوع واحد بقيت يتيمة وأنا لسه عندي أهل اتقطعت المصاريف واتلغى التأمين واضطريت أشتغل بالليل في مطعم صغير أغسل أطباق وأذاكر على نور المطبخ بعد ما الناس تمشي أنام ساعتين وأصحى على محاضراتي أبيع كتبي القديمة عشان أجيب الجديدة
وأتعلم أطبخ أرخص أكل ممكن يعيشني من غير ما يوقعني. كنت كل ما أتعب أفتكر جملة أمي لما تصلحي حالك وأقول لنفسي هصلح حالي بطريقتي مش بطريقتهم. السنين عدت ببطء فقدت وزن فقدت أصدقاء فقدت إحساس الأمان لكن ما فقدتش حلمي دخلت الامتحانات النهائية وأنا بشتغل شيفت 12 ساعة ونجحت واتخرجت بامتياز واخترت طب الطوارئ عشان يمكن في لحظة ما أقدر أكون الفارق بين الحياة والموت لحد تاني حتى لو محدش كان الفارق عشاني. انتقلت لشيكاغو مدينة باردة قاسية تشبه قلبي وقتها وبدأت الإقامة قروض بتجري ورايا وليل طويل وقرارات سريعة ودم على إيدي مش خوفني قد ما خوفني إحساس الوحدة عزمت أهلي على حفل التخرج على استلام البورد على فرحي لما اتخطبت لزميل ليا كان شايف تعبي قبل نجاحي محدش جه ولا حتى رسالة. اتعلمت أفرح في صمت أعيط في العربية قبل ما أدخل الشيفت وأمسح عيني وأبقى دكتورة ثابتة قدام أي كارثة. الشهر اللي فات في يوم تلات عادي جدا الممرضة حطت ملف حالة في إيدي في غرفة 12 اشتباه تسمم دم ضغط واطي حرارة عالية وأهل صعبين خدت نفس عميق وقلت زي كل مرة خلينا نشوف. فتحت الباب والوقت وقف أمي كانت هناك ملامحها أهدى بس مرهقة شعرها أبيض أكتر ووالدي واقف مشدود زي ما كان دايما وعلى السرير كندرا بتتلوى من
الألم عرقها مغرقها شفايفها ناشفة وعينيها فيها خوف عمر ما شوفته فيها قبل كده. في الأول محدش عرفني كنت بالنسبة لهم دكتورة باسم مطرز على الجاكيت دكتورة إيميلي ميرسر الاسم اللي بنيته بنفسي بعيد عنهم لحد ما أمي قرأت الاسم ووشها اتسحب منه الدم مسكت دراع والدي وهمست مش ممكن والدي كرر الاسم كأنه غريب عليه وكندرا فتحت عينها وبصتلي نظرة بين الإدراك والرجاء. كان قدامي اختيارين أكون بنت مجروحة أو أكون طبيبة وانا اخترت من خمس سنين أكون طبيبة حتى لو مكنش عندي عيلة حطيت الملف بهدوء وقلت أنا المسؤولة عن الحالة طلبت تحاليل عاجلة مزرعة دم سوائل وريدية مضاد حيوي واسع الطيف فريق العناية المركزة يبقى جاهز اشتغلت بسرعة ودقة وكنت كل ما أبص على كندرا أشوف الطفلة اللي كانت بتنام جنبي زمان قبل ما الغيرة تكبر جواها وكل ما أسمع صوت أمي وهي بتسأل بخوف هتبقى كويسة أحس بوخزة لكن إيدي ما ارتعشتش لأن القسم اللي حلفته كان أقوى من وجعي. الحالة كانت حرجة الضغط بينزل والكلى بتتأثر قضيت ساعات بين الأوامر والمتابعة لحد ما المؤشرات بدأت تستقر تدريجيا وبعد يومين في العناية الخطر الأكبر عدى خرجت من عندها وأنا حاسة إن روحي اتعصرت استدعيت والدي وأمي على جنب كانوا واقفين قدامي صغيرين لأول مرة
والدي صوته مبحوح قال إيميلي.. إحنا غلطنا وأمي دموعها نازلة صدقناها عشان خفنا عليها وجرحناكي من غير ما نتأكد كندرا طلبت تشوفني لوحدنا دخلت عليها كانت ضعيفة ملامحها منكسة قالت بصوت مكسور إنها يومها كانت شايفة الدنيا بتقفل في وشها كانت بتقع دراسيا وبتحس إني دايما أحسن منها خافت تختفي في ضلي فكذبت ومع الوقت الكذبة كبرت وبقت سجن ليها اعترفت إنها كانت كل سنة بتفتح حسابي القديم تشوف أخباري في السر ومش قادرة تواجه الحقيقة قالت كنت بقول لنفسي إنك فعلا فشلتي عشان أتحمل اللي عملته. سكت شوية وقلت لها إن الكذبة دمرتني بس ما قتلتنيش وإن اللي حصل ما ينفعش يرجع لكن اللي جاي لسه في إيدنا قلت لها إني سامحت نفسي الأول عشان أقدر أعيش ومسامحتي ليهم مش معناها إن الوجع اختفى معناها إني مش هخليه يحكم مستقبلي قلت لأهلي إن العلاقة لو هترجع لازم تبقى على أساس احترام وثقة من غير أسرار ومن غير تصديق أعمى وإن قلبي محتاج وقت. خرجت من المستشفى يوم خروج كندرا كانوا مستنييني برا المرة دي مش كأهل بيحاسبوا بنتهم لكن كناس بتطلب فرصة مشيت قدامهم شوية وبعدين وقفت حسيت إني واقفة بين نسختين من نفسي البنت اللي اتكسرت قدام رسالة قصيرة والدكتورة اللي وقفت قدام الموت وما خافتش واخترت أمد إيدي