توفيت ابنتي منذ عامين، أو هكذا قيل لي، ودفنت "غريس" وهي في الحادية عشرة من عمرها بينما كنت أنا بالكاد قادرة على الوقوف، الناس قالوا إن الوقت يخفف ألم الفقدان لكنه لم يخفف شيئًا، فقط علّمني كيف أتنفس بثقل في صدري دون أن أصرخ، في تلك الأيام الأولى كان زوجي "نيل" هو من يتولى كل شيء، أوراق المستشفى، التوقيعات، شهادة الوفاة، ترتيبات الجنازة، اختيار النعش، حتى اللحظة التي أُغلق فيها الغطاء كنت بعيدة كأنني أشاهد حياة شخص آخر، لم أصرّ على رؤية جسدها للمرة الأخيرة لأن الطبيب قال إن الحادث شوّه ملامحها وأن الأفضل أن أحتفظ بصورتها كما كانت، وكنت ضعيفة، مكسورة، صدّقت كل ما قيل لي لأنني لم أملك القوة لأشك، مرت الشهور ثم السنوات، وصار اسمها لا يُذكر في البيت إلا همسًا، ولم نحاول إنجاب طفل آخر لأنني كنت أعلم أن قلبي لن يحتمل خسارة ثانية، ثم في صباح خميس عادي
جدًا رن هاتف المنزل، صوت المدير كان مهذبًا ومرتبكًا وهو يقول إن فتاة صغيرة في مكتبه تطلب الاتصال بأمها وقد أعطتهم اسمي ورقمي، أجبته ببرود ميّت أن هناك خطأ وأن ابنتي متوفاة، صمت قليلًا ثم قال إن الفتاة تؤكد أن اسمها غريس وإنها تشبه الصورة الموجودة في ملفها القديم بشكل لافت، شعرت بصدري يضيق كما لو أن يدًا غير مرئية تعصر قلبي، قلت إن ذلك مستحيل، لكنه أصر أن أتحدث إليها لأنها تبكي، ثم جاء صوت عبر الخط، مهزوز، خائف، مألوف إلى درجة مؤلمة، "أمي؟ من فضلك تعالي وخذيني"، سقط الهاتف من يدي لأن الصوت لم يكن مشابهًا فحسب بل كان صوتها بكل طبقاته، دخل نيل إلى المطبخ، رأى وجهي الشاحب، سألني ما الخطب، قلت له إنها غريس وإنها في المدرسة، لم يحتضنني ولم يقل إنني متوهمة، بل أصبح شاحبًا هو الآخر، التقط الهاتف وأنهى المكالمة بسرعة وقال إن الأمر خدعة وإن الذكاء الاصطناعي
يمكنه استنساخ الأصوات، لا تذهبي، قالها وهو يقف أمام الباب، رجاءً لا تذهبي، كان في عينيه خوف لم أره حتى يوم جنازتها، وعندها فقط بدأ الشك يتشكل داخلي، لماذا يخاف من شبح إن لم يكن هناك جسد حي خلفه، أخذت مفاتيحي ودفعته جانبًا وذهبت إلى المدرسة وكأنني أقود داخل حلم ضبابي، لم أشعر بالإشارات أو المنعطفات، فقط صوتها يتردد في رأسي، دخلت مكتب المدير وفتحت الباب، وكانت هناك طفلة جالسة على الكرسي، شعرها البني مربوط بنفس الطريقة التي كانت تحبها، شامة صغيرة قرب أذنها اليسرى، إصبعها الأوسط به انحناءة خفيفة من سقوط قديم عن الدراجة، رفعت رأسها ونظرت إلي بعينين واسعتين مليئتين بالدموع وقالت "أمي"، لم تكن نسخة، لم تكن شبيهة، كانت هي، ركعت أمامها ولمست وجهها بيدي المرتجفة، كان دافئًا، حقيقيًا، رائحتها نفس رائحة الشامبو بالفراولة الذي كانت تحبه، احتضنتني بقوة وهمست
أنها خافت أنني لن أصدقها، المدير كان يراقبنا بذهول، سألته من أحضرها، قال إن رجلًا أوصلها صباحًا وادعى أنه عمها وطلب إعادة تسجيلها بعد انتقال مؤقت، أعطاهم أوراقًا بدت سليمة، لكن عندما دخلت إلى الفصل بدأت تبكي وتقول إن اسم أمها ورقمها محفوظان في ذاكرتها وأن عليها الاتصال بي فورًا، جلست معها في غرفة جانبية وسألتها ماذا حدث، قالت إن والدها أخبرها بعد الحادث أنها يجب أن تختبئ لبعض الوقت لأن هناك خطرًا، نقلها إلى مدينة أخرى وطلب منها ألا تذكر اسمها الحقيقي، قال إن أمها لم تعد تريدها لأنها تسببت في مشاكل، وعندما سألتها عن الحادث قالت إنها لا تتذكر اصطدامًا، تتذكر فقط أنها كانت في السيارة ثم استيقظت في منزل غريب، هنا شعرت بأن الأرض تميد بي، عدت بذاكرتي إلى يوم الوفاة، لم أرَ الجسد، لم أوقع على تقرير التشريح بنفسي، نيل قال إن كل شيء تم بسرعة بسبب