رد الاعتبار ل أماني السيد
بصّيتله طويـل…
الغريب إني فجأة بطّلت أعيّط.
يمكن علشان الدموع خلصت، أو يمكن علشان في لحظة معيّنة الوجع بيعدّي مرحلة الانكسار ويوصل لمرحلة الصحوة.
قلت بهدوء غريب حتى عليّ: – خلاص يا محمود.
استغرب. كان مستني صريخ. هستيريا. تعلّق. أي رد فعل يطمنه إني لسه تحت رجله.
لكن أنا قلت: – خلاص.
سكت شوية وقال: – يعني إيه؟
قلت وأنا ببص في عينه لأول مرة من غير خوف: – يعني إنت حر. بس أنا كمان حرة.
ضحك بسخرية: – هتعملي إيه يعني؟
مشيت ناحية الدولاب. طلعت شنطة قديمة. بدأت أحط هدومي بهدوء.
قال وهو واقف: – إنتي بتهزري؟
قلت: – لا. أنا بختار كرامتي.
قرب وقال بعصبية: – إنتي مش هتمشي ببنتي.
لفّيتله: – بنتك؟
سكت.
كملت: – متقلقش… مش هاخدها منك. أنا مش هحرمها من أبوها. بس كمان مش هربيها في بيت أمها فيه “دور”.
المرادي هو اللي اتوتر: – يعني إيه؟
قلت بثبات: – يعني من بكرة هتقدملي على شقة قريبة من هنا. هتشوف بنتك كل يوم. وهتدفع مصاريفها كاملة. وهنكتب اتفاق واضح.
ضحك باستهانة: – وإنتي فاكرة نفسك هتعرفي تعيشي لوحدك؟
ابتسمت لأول مرة من يوم ما اتجوزته. ابتسامة
– أنا عشت مع واحد بيقولي عمري ما حبيتك. مفيش أسوأ من كده.
سكت. مش لاقي رد.
قربت من سرير بنتي. بصّيت على ملامحها. همست: – إنتي مش اسم حد. إنتي بداية جديدة.
تاني يوم…
روحت عند أهلي. مش علشان أستخبى. لكن علشان أرتّب حياتي.
أبويا سمعني للآخر. مقاطعنيش. وأول مرة أشوف الدموع في عينه.
قال: – إنتي مش راجعة هنا مكسورة. إنتي راجعة مرفوعة الرأس.
قدمت في شغل كنت مأجلاه علشانه. اشتغلت. تعبت. بس كل جنيه كنت بقبضه كان بيرجعلي جزء من نفسي.
بعد شهرين…
محمود جه ياخد بنته. واقف قدام باب الشقة الجديدة. الشقة الصغيرة اللي أنا فرشتها على قدّي.
دخل. بص حواليه. واضح إنه مستغرب.
قال: – عاملة كل ده لوحدك؟
قلت بهدوء: – آه.
بنتي جريت عليه: – بابا! شوفت أوضتي الجديدة؟
أخدها يتفرج. رجع بعدها بدقايق. واقف قدامي متردد.
قال: – إنتي اتغيرتي.
رديت: – لأ. أنا بس بطّلت أستحمل.
سكت شوية. وبعدين قال بصوت أوطى: – لو كنت عرفت إنك بالقوة دي… يمكن كنت خفت أخسرك.
بصّيتله بثبات: – اللي بيحب مش بيحتاج يخاف علشان يحافظ. هو بيحافظ لوحده.
أخد بنته ومشي.
قفلت
حاسّة بثقل… آه. بس مش انكسار.
المرة دي
أنا اللي اخترت النهاية.
والأهم…
بنتي لما تكبر مش هتفتكر أمها ست انكسرت.
هتفتكر
إنها شافت أمها
وقفت
ومشت
من غير ما تقلل نفسها لحظة.
وده
كان أقوى رد اعتبار ممكن أعمله.
عدّى ست شهور.
حياتي بقت أهدى…
مش أسهل، بس أهدى.
روتين جديد.
شغل.
مدرسة.
واجبات.
ضحكة بنتي وهي بتحكيلي عن يومها.
بقيت لما أبص في المراية أشوف واحدة تانية.
مش الست اللي كانت بتستنى كلمة رضا.
ولا اللي كانت بتسأل “أنا مالي؟”.
في يوم خبط على الباب.
فتحت.
كان هو.
واقف… مش بنفس الوقفة القديمة.
لا في غرور.
ولا في برود.
قال بهدوء: – ممكن أدخل شوية؟
سيبته يدخل علشان بنتنا كانت جوه.
قعد على الكنبة، باين عليه متردد.
قال: – هدى… أنا غلطت.
الاسم خرج من بقه تقيل.
ما رديتش.
كمل: – أنا ظلمتك.
قللت منك.
كسّرت فيكي حاجات يمكن عمرك ما هترجعيها زي الأول.
كنت سامعاه…
بس مش بنفس القلب القديم.
قال وهو باصص في الأرض: – لما مشيتي افتكرت الموضوع كبرياء يومين وهترجعي.
بس لما رجعتيش…
ولما شوفتك واقفة على رجلك…
فهمت
سكت شوية وقال: – أنا آسف.
الكلمة اللي كنت مستنياها زمان.
الكلمة اللي كنت ممكن أقبل بسببها أي حاجة.
دلوقتي…
وصلت متأخر.
قلت بهدوء: – أنا سامعاك.
رفع عينه وقال بسرعة: – طب خلينا نرجع نجرب.
علشان بنتنا.
علشان البيت.
وأنا أوعدك إني هكون مختلف.
ابتسمت ابتسامة خفيفة… مش سخرية.
حزن هادي.
– البيت مش حيطان يا محمود.
والاختلاف مش وعد بيتقال.
قرب شوية: – طيب قوليلي أعمل إيه؟
بصيتله بثبات: – تعمل اللي مفروض كنت تعمله من غير ما أطلب.
تحترم.
تقدّر.
تحب.
سكت.
قلت: – أنا اتعلمت أعيش من غير ما أستنى حد يديني قيمتي.
واتعلمت إن اللي يكسرني مرة…
هيفضل دايمًا في قلبي حتة خايفة منه.
قال بصوت مكسور: – يعني مفيش أمل؟
خدت نفس طويل.
– الأمل مش دايمًا معناه نرجع.
أحيانًا معناه نكمل… بس كل واحد في طريق.
بنتنا خرجت من أوضتها وجريت عليه.
شالها وضحك.
اللحظة دي كانت نقية.
وأنا عمري ما همنعها من أبوها.
قبل ما يمشي وقف عند الباب.
قال: – عمري ما تخيلت إنك تكوني أقوى مني بالشكل ده.
رديت بهدوء: – أنا ما كنتش ضعيفة.
أنا بس كنت بحب.
فتح الباب…
وبصلي
المرة دي
أنا ما اتأثرتش.
قفلت الباب بهدوء.
رجعت لبنتي،
ساعدتها تلبس بيجامتها.
ولما نمت،
قعدت جنب السرير.
مش بندم.
مش بحن.
مش بستنى.
في حاجات
لما بتتكسر
مش بتتصلّح.
وأنا
اخترت نفسي.