ربيت توأم

لمحة نيوز

ربّيت توأم بعد ما وعدت أمهم وهي بتموت إني هاخد بالي منهم، وبعد عشرين سنة كاملة لقيتهم واقفين قدامي وبيقولوا لي بصوت واحد قاسي ماعرفتوش قبل كده إحنا مش قادرين نعيش مع حد كدب علينا طول عمرنا، وطردوني من البيت اللي بنيته طوبة طوبة عشانهم، ولسه فاكرة اليوم ده كأنه امبارح، أول حالة توليد أعملها لوحدي كممرضة، كنت مرعوبة ومتوترة وبحاول أبان قوية قدام الفريق، دخلوا لي بنت صغيرة في السن، ملامحها طفلة أكتر ما هي أم، حالتها كانت بتسوء بسرعة، الألم واخد منها كل طاقة، ساعات طويلة من المعاناة والصراخ والدعاء، وأنا واقفة جنبها بمسح عرقها وبطبطب عليها وبقول لها كله هيعدي، لحد ما فجأة شدت إيدي بقوة غريبة وبصت لي نظرة عمري ما هنساها وقالت لي بصوت مبحوح أنا مش هقدر أربيهم، لو خرجت من هنا مش هيبقى عندي حياة أقدر أديها لهم، أوعديني إنك هتاخدي بالك منهم، أوعديني إنهم مايتسابوش، حسيت ساعتها إن قلبي بيتعصر، ماكانش ينفع أقول لأ، هزيت راسي ودموعي في عيني، أول ما شافت الموافقة في عيني ابتسمت ابتسامة هادية كأنها سلمت أمانة وارتاحت، وبعد لحظات ولدت توأم بنات، صوتهم ملي المكان، الحياة خرجت منهم قوية كأنهم بيعوضوا الهدوء اللي دخل مع رحيل

أمهم، لأنها بعد الولادة بساعات قليلة فارقت الدنيا وسابت لي وعد تقيل قد الجبال، اتسموا نيكا وأنجيلا، اسمين كانت مختاراهم قبل ما تمشي، في المستشفى الناس كانت بتهمس إنهم هيروحوا ملجأ، إن ده الطبيعي، إن ممرضة شابة لسه بتبدأ حياتها ماينفعش تاخد مسؤولية طفلين، بس كل ما كنت أبص لهم وهما ملفوفين في البطاطين الصغيرة كنت بحس إنهم بقوا جزء مني، وإن الوعد ده مش كلمة اتقالت وخلاص، ده عهد، خلصت الإجراءات واتنقلت من دور الممرضة لدور الأم، حياتي اتقلبت 180 درجة، شيفتات أربع وعشرين ساعة، سهر ورضاعة وتغيير حفاضات، مرض وتسنين وحرارة، كنت برجع البيت منهكة بس أول ما أسمع صوتهم كانوا بينادوني بطريقتهم كنت بلاقي طاقة مش عارفة مصدرها فين، سنين عدت وأنا بحارب عشان أوفر لهم أحسن تعليم وأحسن لبس وأحسن حياة أقدر عليها، كنت ساعات ببيع دهب ورثته عشان أدفع مصاريف مدرسة أحسن، وساعات أقبل شيفتات زيادة عشان أجيب لهم كتب زيادة، ماكنتش عايزاهم يحسوا يوم إنهم أقل من حد، كانوا دايمًا يقولوا لي يا ماما وإحنا التلاتة نضحك ونطبخ سوا ونذاكر سوا ونعيط ونفرح سوا، ولما بقوا في سن المراهقة كنت بخاف اللحظة اللي لازم أقول لهم فيها الحقيقة، كنت بخاف يخافوا
مني أو يحسوا إني خبيت عليهم جزء من حياتهم، بس اخترت وقت هادي وقعدتهم قدامي وقلبي بيدق، وحكيت لهم كل حاجة، من غير ما أجمّل ولا أبرر، قولتلهم إن أمهم كانت بتحبهم وعايزة لهم حياة أحسن وإنها سلمتهم لي أمانة، سكتوا لحظات حسيتهم أطول من العمر كله، وبعدها قاموا حضنوني وقالوا لي إنتِ أمنا ومفيش حد تاني، اليوم ده حسيت إن الدنيا كافأتني، كبروا ودخلوا طب زيي وقالوا إنهم عايزين يبقوا سبب شفاء زي ما شافوني طول عمرهم، كنت بفخر بيهم قدام كل الناس وأقول دول بناتي، عمري ما حسيت إنهم مش من لحمي ودمي، لحد الليلة اللي رجعت فيها من المستشفى تعبانة بعد عملية صعبة، لقيت عربية نقل عفش قدام البيت، استغربت بس قلت يمكن الجيران، دخلت لقيت كراتين مفتوحة وحاجتي بتتلم، صوري القديمة، هدومي، حتى الكتب اللي اشتريتها أيام دراستي، ونيكا وأنجيلا واقفين بيحطوا الكراتين في العربية، سألتهم إيه اللي بيحصل وأنا حاسة إن في حاجة غلط، بصوا لي بنظرة غريبة، مافيهاش دفء السنين، وقالوا إنهم عرفوا معلومات تانية عن أمهم، إنهم حسوا إن في تفاصيل اتقالت متأخر وإن ده معناه إني كنت بخدعهم، حاولت أشرح إن السكوت كان خوف عليهم مش خداع، وإن الأمومة مش ورقة نسب، الأمومة
تعب وسهر ودعاء ودموع وفرح، قولتلهم إن كل قرار أخدته كان عشان أحميهم، بس الغضب كان مالي قلوبهم، قالوا إنهم محتاجين يعيشوا لوحدهم وإن وجودي بيفكرهم بحاجة موجعة، وإن البيت هيفضل باسمهم لأنهم شايفين إنه حقهم، حسيت ساعتها إن الوعد اللي حملته عشرين سنة بيتفك قدامي، وقفت أبص على الجدران اللي علّقنا عليها صور نجاحهم، وعلى المطبخ اللي عملنا فيه أول كيكة سوا، وعلى الأوضة اللي كنت بقعد جنب سريرهم فيها لما كانوا بيخافوا من الضلمة، وافتكرت أول كلمة قالوها وأول خطوة مشيوها، ماصرختش ولا اتخانقت، بس قلبي كان بيتكسر في هدوء، خرجت ومعايا شنطة صغيرة وبعض الذكريات، وأنا ماشية حسيت إني بسيب عمري كله ورايا، لكن رغم الوجع عمري ما ندمت إني وفيت بوعدي، لأن الحب اللي اديته لهم كان حقيقي، يمكن هما دلوقتي شايفين الصورة ناقصة، ويمكن الزمن يوريهم إن اللي عملته ماكانش كدب لكن كان حماية وخوف عليهم، وأنا لحد النهارده، رغم الوحدة والوجع، بدعي لهم بالخير كل ليلة، لأن الأم حتى لو اتطردت من بيتها، قلبها عمره ما بيطرد ولادها منه.
القصة الثانية 
اشتكيتُ من القهوة حتى رأيتُ الفاتورة التي لم تستطع دفعها
كنتُ على وشك أن أطلب المدير لأن طلبي
تم نسخ الرابط