وقفت مريم في نص الصالة وبصت للشنط المرصوصة قدامها كأنها إعلان احتلال رسمي، وافتكرت اللحظة اللي أبوها فيها كان واقف قدام باب الشقة أول مرة وهي لسه عروسة جديدة، لما حط المفتاح في إيدها وقالها بصوته الهادي: يا بنتي الشقة دي أمانك بعد ربنا، محدش يكسر عينك طول ما ليكي سقف بتاعك، وافتكرت قد إيه كانت حاسة بالفخر ساعتها، مش عشان الطوب والأسمنت، لكن عشان الإحساس إن ليها ظهر وسند، فرفعت عينيها على حماتها اللي كانت مستنية كلمة الموافقة، وبصت لمحمود اللي كان واقف متحفز ومستعد ينفذ تهديده، وقالت بهدوء غريب خلى الكل يسكت فجأة: الساعة اللي إنت ادتهالي يا محمود أنا مش محتاجة منها غير دقيقة واحدة بس، دقيقة أفهم فيها أنا متجوزة راجل ولا متجوزة عيلة كاملة بعقود جاهزة في العربية تحت، وبعدين كملت وهي بصالهم واحد واحد: الشقة دي مش مركونة، دي ملكي، ومش هتبقى باب رزق لحد غيري، ولو حمادة عايز يتجوز، يتجوز على قد إمكانياته مش على تعب غيره، حماتها حاولت تقاطعها لكنها رفعت إيدها تكمل وقالت: أنا ساكتة من ساعة ما دخلتوا بيتي احترامًا لعِشرة وسنين، لكن سكوتي مش ضعف، إنتوا
دخلتوا بيتي من غير إذن وجايبين محامي عشان أتنازل عن حقي، ده مش طلب ده فرض، وأنا عمري ما هقبل حد يفرض عليّ حاجة، محمود قرب منها بعصبية وقال: يعني خلاص اخترتي الشقة؟ فردت عليه بنبرة ثابتة: أنا مختارتش الشقة، أنا اخترت كرامتي، ولو وجودي معاك مش قائم على احترام حقي، يبقى وجودي مالوش معنى، حمادة ضحك بسخرية وقال: يعني هتخربي بيتك عشان أربع حيطان؟ ردت عليه بسرعة: البيت اللي يقوم على ظلم مش بيت، ده حمل، وأنا مش هشيل حمل حد طول عمري، حماتها بدأت ترفع صوتها وتعدد تضحياتهم معاها وتتكلم عن كلام الناس وعن العيب وإن الست لازم تضحي، فابتسمت مريم ابتسامة موجوعة وقالت: التضحية تبقى بإرادتي مش غصب عني، واللي بيطلب مني أكتب ملكي باسمه ويدفعني كمان أجهزهوله، مش بيطلب تضحية، ده بيطلب استغلال، محمود حاول يلعب على وتر الأولاد وقالها: هتشتتي العيال عشان شقة؟ فقالتله: اللي شتت العيال هو اللي حطني قدام اختيار مهين زي ده، أنا عمري ما فكرت أطلعكم من الشقة، كنت ناوية أسيبها مقفولة أو أأجرها وأأمن بيها مستقبل ولادي، لكن إنكم تعتبروا حقي غنيمة تتوزع، ده اللي عمره ما كان في
حساباتي، وبعدين مشت ناحية الباب وفتحته وقالت بهدوء حاسم: الشنط دي تتشال دلوقتي، والمحامي يرجع بعقده، ولو حد فيكم فكر يقعد في الشقة دي من غير إذني، أنا هتصرف بالقانون، حماتها اتصدمت وقالت: إنتي بتهددينا؟ فردت: لأ، أنا بحمي حقي، محمود بقى بين نارين، بين كرامته قدام أهله وطمعه في الشقة، وبين خوفه يخسر مراته اللي لأول مرة يشوفها بالشكل ده، حاول يلين وقال: طب نقعد ونتفاهم، فقالت: التفاهم كان قبل ما تجيبوا محامي من ورا ضهري، دلوقتي مفيش تفاهم غير على حاجة واحدة، يا احترام متبادل يا كل واحد في طريق، الصالة سكتت لحظة تقيلة، وحمادة قام يشيل شنطته وهو بيتمتم بكلام غاضب، وحماتها خرجت وراها وهي بتدعي وتتوعد إن الأيام هتوريها، ومحمود فضل واقف قدامها، باصصلها كأنه لأول مرة يشوفها، وقال بصوت أهدى: إنتي اتغيرتي، فقالتله: لا، أنا بس بطلت أتنازل عن نفسي، ولو عايز تكمل معايا، نتفق إن مالي ملكي ومالك ملكك، ومفيش حد له عند التاني حاجة إلا بالرضا، ساعتها بس نقدر نبني بيت بجد، محمود قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه، ولأول مرة يحس إنه كان هيفرط في بيته بإيده، حاول يقرب
منها وقال: أنا غلطت لما ضغطت عليكي، بس كنت حاسس إني مسؤول عن أخويا، ردت: مسؤوليتك تساعده مش تسرق غيرك عشانه، المسؤولية عمرها ما كانت ظلم، عدت أيام صعبة، كلام كتير وعتاب ودموع، ومريم نقلت فعلاً على شقتها الجديدة وسابت القديمة مقفولة بمفتاحها، ومحمود احتاج وقت عشان يفهم إن الست اللي بتحافظ على حقها مش أنانية، وإن اللي يرضى النهارده يفرط في حقها، بكرة هيفرط في حق عياله، وبعد شد وجذب، اختار يقف جنب مراته مش ضدها، وراح بنفسه قال لأهله إن الشقة ملك مراته ومفيش كلام تاني فيها، يمكن العلاقة ما رجعتش زي الأول بسهولة، لكن رجعت على أساس أوضح، أساس إن مفيش حد ياخد حاجة مش بتاعته تحت اسم العِشرة أو الواجب، ومريم كل ما تعدي قدام باب شقتها القديمة تفتكر كلام أبوها وتبتسم، لأنها أخيرًا فهمت إن السند الحقيقي مش بس في الحيطان، لكن في قرار تاخده في لحظة ضغط وتحافظ بيه على نفسك، واللحظة دي كانت نقطة تحول غيرت حياتها كلها وخليتها تعرف إن الكرامة لما تتباع مرة، صعب جدًا تشتريها تاني، لكنها يوم ما تمسكت بيها، كسبت نفسها وكسبت بيت يقوم على احترام مش على خوف ولا تهديد.