"امضي ويلا غوري بره يا شحاتة واكسر وراها قلة" الكلمة نزلت على ودان ليلى زي صفعة متعمدة قدام الكل، والقلم الـ باركر كان تقيل في إيدها كأنه حجر مربوط في روحها، مش عشان غالي، لكن عشان الورقة دي كانت بتدفن تلات سنين من عمرها بين سطور باردة ما فيهاش رحمة، الصالون الكبير في فيلا عيلة الباشا كان هادي هدوء يخوف، تكييف ساقع، نجف كريستال بينور فوق راسهم، وترابيزة أرابيسك محفور عليها اسم العيلة كأنه ختم ملكية حتى على أنفاس اللي قاعدين، ليلى قاعدة في طرف الكنبة المذهبة، ضهرها مستقيم رغم الرعشة اللي في صوابعها، عينيها بتدور على ياسين اللي واقف عند الشباك، مديهم ضهره، كأنه مش قادر يبص في وشها وهو بيبيعها أرخص بيعة، شيرين أختُه قاعدة وحاطة رجل على رجل وبتقلب في موبايلها بملل، تقول "هنمضي النهارده ولا إيه؟ ولا نستنى لما تحبي تعملي مشهد بطولة؟" والحاجة فوزية ضحكتها الصفرا بتقطع القلب وهي بتقول "دخلت بيتنا بشنطة بلاستيك فيها قميصين بالة وهتخرجي بنفس الشنطة، ده شرع ربنا يا بنت الناس"، والمحامي زق الورق قدامها ببرود وهو بيقول إن الاتفاق واضح، تتنازل
عن المؤخر والنفقة وكل حق ليها مقابل إن ياسين ما ينشرش الصور ولا يبلغ عن "غلطتها"، ولما قالت غلطة إيه أنا مخنتش، الحاج رفعت الباشا نفخ وقال بلاش تمثيل، ياسين حكى لنا كل حاجة، ولو ممضيتيش هنجرجرك في الأقسام ونخلي سيرتك على كل لسان، وحتى بتاع الخضار في حتتكم مش هيرضى يبيع لك، ساعتها ليلى بصت لياسين نظرة أخيرة وقالت له بص لي في وشي وقول إنك مصدق، فلف وشه وقال امضي يا ليلى وارجعي لورشة العربيات المكركبة اللي جيتي منها، ده مقامك الأصلي، شحم وعفرة وناس غلابة، إحنا عيلة الباشا أكبر منك ومن أهلك، وفي اللحظة دي حاجة اتكسرت جواها بس مش قلبها، الخوف هو اللي مات، ولسه الصمت خانق المكان، فجأة صوت فرامل تقيل جاي من بره الفيلا، صوت موتور فخم بيتركن قدام البوابة، واحد من الخدم جري يبص من الشباك واتسمرت عينه، تلات عربيات سودا مرسيدس لامعة واقفة صف واحد قدام الفيلا، موديلات السنة، نازلين منهم رجالة ببدل سودة ونضارات، واقفين بانضباط يخلي أي حد يفهم إنهم مش جايين يسألوا على عنوان، شيرين قامت مفزوعة، الحاجة فوزية قربت من الشباك، والحاج رفعت قال بتوتر مين
دول؟ وفي اللحظة دي باب الفيلا اتفتح، ودخل راجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض مرتب، بدلته مفصلة على مقاسه، هيبته تسبق خطواته، وكل العيون اتسمرت فيه، ليلى قامت واقفة من غير ما تحس، عينيها اتملت دموع لأول مرة مش دموع ضعف لكن دموع صدمة، الراجل وقف قدامها وقال بصوت هادي لكنه مليان قوة وحشتيني يا بنتي، الصالون كله اتجمد، ياسين لف بسرعة وقال بنتك إزاي؟ ليلى همست بابا؟ الراجل ابتسم وقال أيوه يا ليلى، أبوكي اللي قالوا عليه ميكانيكي غلبان، بس محدش فيهم يعرف إن رفعت عزام قبل ما يبقى صاحب أكبر سلسلة توكيلات سيارات في البلد كان واقف في نفس الورشة اللي اتكسفتوا منها، وإنه من يوم ما سبتك عند أمك بعد الخلاف الكبير بينا وأنا بدور عليكي سنين، ولما عرفت إنك اتجوزتي ابن عيلة الباشا سيبتك تعيشي حياتك وقلت طالما مبسوطة مش هظهر، بس لما وصلتني الصور اللي كانوا بيهددوكي بيها عرفت إن لازم أرجع، الحاج رفعت الباشا وشه قلب ألوان، وقال رفعت عزام؟ صاحب مجموعة عزام موتورز؟ الراجل بصله بنظرة واحدة خلت صوته ينشف وقال أيوه، ونزل ملف من تحت إيده وحطه قدام المحامي، وقال
الصور دي مفبركة، والراجل اللي اتصور معاها موظف عندي في الشركة، ودي تسجيلات تثبت إن ياسين هو اللي دبر كل حاجة عشان يتجوز بنت شريك جديد ويلم أكتر، ياسين اتلخبط وقال ده افتراء، لكن واحد من الرجالة شغل تسجيل على تابلت، صوت ياسين واضح وهو بيقول لازم نخلص منها ونلبسها أي تهمة، المهم تخرج من غير حقوق، الصمت بقى تقيل، شيرين رجعت خطوة، الحاجة فوزية قعدت على الكنبة وهي مش مصدقة، والحاج رفعت حاول يتكلم لكن الكلمات خانته، رفعت عزام قرب من ليلى وقال كنت سايبك تختاري حياتك بنفسك، بس عمري ما كنت هسيب حد يكسرك، ولف على المحامي وقال الورق ده يتقطع، وأي محاولة تشهير هتبقى قضية تشهير وابتزاز، وصدقني يا باشا المرة دي اللي هيجرجر التاني في الأقسام مش بنتي، ليلى كانت واقفة مرفوعة الراس، نفس الصالون اللي حاولوا يكسروا فيه كرامتها بقى شاهد على انقلاب الحال، ياسين حاول يقرب منها ويقول استني يا ليلى نفهم، لكنها رفعت إيدها وقالت خلاص، أنا مضيت فعلاً بس مش على ورقة طلاق، مضيت جوه قلبي على نهاية أي حاجة كانت بينا، وورقة الطلاق دي أنا اللي هكتبها بشروطي، مش عشان