طردت زوجي من البيت

لمحة نيوز

كل مرة كان يهزر ويقول قدام الناس، وقدامي أنا تحديدًا، "لو طولت أتجوز صاحبتك مش هتردد"، كنت باخدها على إنها سخافة راجل عدى الخمسين وبيحاول يثبت إنه لسه مرغوب، كنت أبلع الإهانة وأضحك الضحكة البلاستيك اللي بقت مهارتي الأولى بعد خمسة وعشرين سنة جواز، أقول لنفسي ده هزار تقيل، ده غرور فارغ، ده ملل مش أكتر، لحد ليلة الجمعة اللي اتعزمنا فيها كارول وخطيبها ديفيد عندنا، ليلة بدأت بريحة الفراخ المشوية والروزماري ولمعة الكاسات وانتهت بحاجة أكبر بكتير من خناقة عابرة، بدأت بقلبي مطمئن وفخورة ببيتي اللي بنيته حجر حجر مع مارك، وانتهت وأنا واقفة قدامه شايفة راجل معرفوش. كارول صاحبتي من سنين طويلة، شافتني وأنا حامل، وشافتني وأنا بعيط لما مارك خسر شغله، وشافتني وأنا بضحك غصب عني في عز وجعي، ولما اتخطبت لديفيد كنت فرحانة لها من قلبي، كنت عايزة الليلة تبقى ذكرى حلوة، بس مارك كان شارب، مش سكران، لكن كفاية إنه يشيل آخر طبقة احترام من على لسانه، ولما ديفيد مسك إيد كارول وقال إنه محظوظ بيها، مارك قاطعه بالجملة اللي خلّت الجو يتجمد، قالها وهو بيبص في عينيها مش كإنها صاحبة مراته لكن كإنها صفقة فاتته، قال إنه لو كانت سينجل كان استبدلني بيها في ثانية، ضحك واستنى الناس تضحك، ولما محدش ضحك كررها بوقاحة أكتر وقال إنه بيتكلم جد، وإنها "بتحلو كل ما تكبر" وإن أنا "بكبر وخلاص"، الكلمة دي بالتحديد دخلت جوايا زي إبرة باردة،

مش عشان العمر، لكن عشان الاستسهال، عشان الخمسة وعشرين سنة اتحطوا في كفة وهو حط في الكفة التانية لحظة إعجاب عابرة، ساعتها حسيت إن كل مرة سامحته فيها على هزار مشابه كانت بتقص حتة صغيرة مني، ولما الحتة الأخيرة وقعت، مبقاش في حاجة أمسكها. قومت من غير صوت، دخلت أوضة النوم، سحبت شنطة سامسونايت اللي سافرنا بيها شهر العسل زمان، نفس الشنطة اللي كانت شايلة أحلامنا أول الجواز، وبدأت أحشر فيها هدومه من غير ترتيب، كإني بمسح وجوده من المساحة اللي شاركني فيها سنين، لميت فرشة سنانه وماكينة حلاقته وصبغة شعره اللي كان فاكر إني مش واخدة بالي منها، كل تفصيلة كانت بتفكرني قد إيه حاولت أكون جنبه في كل أطواره حتى لما كان بيهرب من شكله الحقيقي، جرّيت الشنطة لحد الصالة وهبدتها قدام السفرة، بصلي باستغراب وضحك ضحكة مهزوزة، وأنا بصيتله بهدوء مخيف وقلت له إن الفرصة اللي بيهزر بيها جاتله، الشنطة أهي والباب مفتوح، وريني هتعمل إيه، ساعتها بس ابتدى يستوعب إن الموضوع مش مسرحية، قام وقف وقال بطبعه المعتاد إنه كان بيهزر، وإنه راجل بيحب مراته ومفيش حد يقدر ياخد مكاني، لكني سألته سؤال واحد: لو كنت أنا اللي قلت قدام الناس إني أبدلك بديفيد في ثانية عشان أصغر أو أنجح أو أوسم، كنت هتضحك؟ سكت، سكوته كان اعتراف كامل، كارول قامت تعتذر وهي عينيها مليانة دموع، وديفيد قال بهدوء إن الاحترام مش هزار، وإن أي راجل يقلل من مراته قدام الناس
بيقلل من نفسه الأول، مارك حاول يقلبها هزار تقيل وإننا مكبرين الموضوع، بس أنا لأول مرة مكنتش مكبرة، أنا كنت مصغرة، مصغرة وجوده في حياتي لحد ما بقى قد الشنطة اللي حطيت فيها هدومه، قلت له البيت ده اتبنى بمجهودي زي ما اتبنى بمجهودك، وأنا مش مضطرة أقبل إهانة متغلفة بكلمة هزار، لو شايف إن في واحدة تانية "تحلو" أكتر مني، روح شوف حظك، إنما أنا مش هفضل واقفة أستنى كل مرة تقيسني بغيري، قرب مني وقال إنه آسف وإنه غبي وإنه كان بيحاول يبان خفيف الدم، لكني قلت له إن المشكلة مش في الكلمة، المشكلة في اللي وراها، في فكرة إنه شايف نفسه صاحب فضل عليا، كإني جايزة عمره مش شريكة حياته، وإن كل مرة يلوح بفكرة الاستبدال هو بيختبر صبري مش بيهزر، ساعتها اتغيرت نبرة صوته، لأول مرة شفت خوف حقيقي في عينه، مش خوف إنه يخسر بيت، لكن خوف إنه يخسر الصورة اللي متعود يشوفني بيها، الست اللي بتسامح، اللي بتعدي، اللي بتقول معلش، حاول يقرب الشنطة من الباب، يمكن كنوع من التحدي، يمكن عشان يثبت إنه يقدر يمشي، بس إيده كانت بترتعش، وأنا واقفة ثابتة، قلت له القرار ليك، يا إما تمشي وتدور على وهم الشباب اللي بتجري وراه، يا إما تفضل وتتعلم يعني إيه تحترم الست اللي معاك قدام الناس وقبل الناس، الدقايق كانت تقيلة، كارول وديفيد خرجوا في هدوء وسابونا لوحدنا، البيت اللي كان مليان ضحك بقى ساكت، مارك قعد على الكنبة وحط وشه بين إيديه، قال إنه خايف،
خايف من سنه، من شكله، من إنه يبقى عادي، وإن هزارته كانت محاولة بائسة يثبت إنه لسه مرغوب، سألته وأنا صوتي أهدى من أي وقت فات: وإهانتي كانت تمن خوفك؟ رفع عينه وقال لأ، كانت غلطة، غلطات كتير تراكمت وأنا ساكتة، بس الليلة أنا مبقتش ساكتة، قلت له الشنطة هتفضل عند الباب، مش عشان أطرده، لكن عشان يفتكر إن الكرامة مش تفصيلة صغيرة، لو لسانه هيفضل يرمي كلام يوجعني، الباب فعلًا يفوت جمل، وإن أنا مش خيار احتياطي ولا مرحلة يعدي بيها وهو بيدور على إثبات لنفسه، الليلة دي مخرجش، قعدنا نتكلم لساعات لأول مرة من غير تمثيل، لأول مرة قلت له قد إيه كل هزار من النوع ده كان بيهز ثقتي في نفسي، وقد إيه كنت بحاول أبان قوية وأنا من جوايا بتكسر، هو اعتذر، مش الاعتذار السريع اللي يلم الموقف، لكن اعتذار راجل فهم إنه كان بيخسر أكتر ما كان بيتريق، والشنطة فضلت يومين جنب الباب، تذكرة صامتة إن أي علاقة ممكن تقع لو الاحترام وقع، وبعدها شلتها ورجعتها مكانها، مش عشان سامحت بسهولة، لكن عشان حطيت حدود، وفهمته إن الباب اللي يفوت جمل، يقدر كمان يقفل على اللي مش مقدر قيمته، ومن ساعتها لما بييجي يهزر، بيبص في عيني الأول، ولو حس إن الكلمة ممكن تجرح، بيبلعها، وأنا بقيت عارفة إن قوتي مش في إني أهد الدنيا، لكن في إني أعرف إمتى أوقفها عند حدها، والليلة اللي بدأت بعزومة وانتهت بشنطة عند الباب، كانت أول ليلة أحس فيها إني اخترت نفسي قبل ما
أختاره.

تم نسخ الرابط