الفرح

لمحة نيوز

أنا اسمي تسنيم، وعندي تلاتين سنة، واليوم اللي حياتي اتقسمت فيه نصين كان يوم تلات، يوم عادي جدًا، شمس خفيفة وريحة أكل أمي ماليه البيت، خرجت بعربيتها عشان تجيب طلبات ورجعتلي خبر وفاتها بدل ما ترجعلي هي، ضابط واقف في الصالة، صوت باب بيتقفل، ووش أبويا وهو بيقع على الكرسي كأنه فجأة كبر عشرين سنة في دقيقة، ومن اللحظة دي وأنا بحس إني بمشي في كابوس تقيل، البيت اتملى ناس، عزا، قرآن، همسات، وصواني أكل مفيش حد بيجوع لها، وأنا كنت لابسة الأسود ومش فاهمة إزاي الدنيا ماشية عادي والست اللي كانت بتضحكلي كل صباح مش موجودة، ثمان أيام بس، ثمان أيام بين دفن أمي وبين ما سمعت زغاريد في نفس البيت، أبويا اتجوز خالتي كريمة، أخت أمي، الست اللي كانت بتصرخ في الجنازة وتقول "قلبي اتحرق عليكي يا أختي" هي نفسها اللي دخلت المطبخ بعد كام يوم توريني دبلتها وتقول لي بابتسامة باردة "لازم تشكري ربنا يا تسنيم، أبوكي محتاج حد يشيله ومين أولى من أخت المرحومة؟" كنت ببص لها ومش شايفة غير غريبة لابسة وش خالتي، الفرح اتعمل في جنينة بيتنا، نفس الجنينة اللي أمي كانت بتزرع فيها ورد جوري بإيدها، كريمة شالت الورد وحطت كراسي بيضا وترابيزات ومزيكا، كنت واقفة وسط الناس حاسة إني دخيلة في بيتي، وأبويا

لابس بدلة وبيضحك، ضحكة مستفزة، مش ضحكة راجل مكسور، ضحكة واحد خلص صفقة، ساعتها بس حسيت إن في حاجة غلط أكبر من مجرد استعجال في الجواز، ابنها مازن، عنده تسعتاشر سنة، شاب هادي عمره ما علي صوته، لكن في اليوم ده كان وشه شاحب وعينيه زايغة، قبل كتب الكتاب بلحظات لقاني واقفة جنب البوابة، مسك إيدي وسحبني ورا مخزن الجنينة، قلبه كان بيدق بسرعة وأنا كنت فاكرة إنه هيواسيني، لكنه قال بصوت متقطع "تسنيم لازم تعرفي الحقيقة دلوقتي، أبوكي مش بيتجوز أمي عشان الوحدة، هو بيتجوزها عشان يسكتها" حسيت الدم انسحب من وشي، سألته يعني إيه يسكتها، بلع ريقه وقال الجملة اللي شلت حركتي "الحادثة مكنتش قضاء وقدر بس… أبوكي كان في العربية معاها قبلها بنص ساعة، واتخانقوا خناقة كبيرة عشان فلوس البيت وتأمين باسمك، وهو نزلها على أول الطريق وسابها تمشي لوحدها وهي منهارة، وأمي كانت عارفة بالخناقة، وهددته إنها تقولك كل حاجة، عشان كده اتجوزها بسرعة قبل ما تفتح بقها" حسيت الأرض بتميد بيا، أبويا كان دايمًا يقول إنه كان في الشغل وقت الحادثة، عمري ما شكيت، مازن كمل وهو صوته بيرتعش إن أمه سمعها بتقول لأبوه ليلة العزا إن لو مجاش يتكلم معاها هتحكيلي كل حاجة، وبعدها بيومين أعلنوا الجواز، رجعت بصيت للجنينة،
للناس اللي بتضحك، لأبويا وهو بيمضي على القسيمة، وحسيت إن أمي واقفة في الركن بتبصلي مستنية مني موقف، اللحظة دي غيرتني، مانهارتش، مافضحتهمش، رجعت وسط المعازيم ووشي جامد كأني موافقة، وبعد الفرح بأسبوع طلبت من أبويا قعدة لوحدنا، قلت له إني عايزة أشوف ورق التأمين وملكية البيت عشان أمي كانت دايمًا تقول لي إن كل حاجة متسجلة باسمي، اتوتر لأول مرة، بدأ يتهرب، لكني كنت هادية، كنت جمعت كل شجاعتي، قلت له إن مازن قالي على الخناقة وإن خالتي كانت ناوية تفتح بقها، ساعتها وشه اصفر، حاول ينكر، لكن عينه فضحته، اعترف إنه كان معاها فعلاً واتخانقوا عشان كانت عايزة تحول جزء من فلوسه باسمي وتمنعه يبيع الأرض، قال إنه نزلها غصب عنه عشان تهدى، وماكنش يعرف إنها هتسوق وهي منهارة، كان بيقول الكلام وهو بيعيط وبيحلف إنه ما كانش يقصد تموت، لكن الذنب كان واضح في كل حرف، قال إنه اتجوز كريمة عشان يخاف إنها تبوظ صورته قدامي وقدام الناس، عشان ما يخسرنيش، irony إنه بخوفه من الخسارة خسرني فعلًا، خرجت من القعدة دي وأنا عارفة إني مش قادرة أعيش في بيت اتبنى على خوف وكدب، نقلت في شقة صغيرة كانت أمي مأجرها باسمي من زمان ومحدش كان يعرف، بدأت أراجع ملف الحادثة، كلمت محامي، اكتشفت إن التأمين
فعلًا باسمي، وإن أمي كانت حاطة شرط يمنع بيع البيت إلا بموافقتي، يمكن كانت حاسة بحاجة، يمكن كانت أقوى مما تخيلت، واجهت خالتي بالحقيقة، ما أنكرتش، قالتلي ببرود إنها كانت بتحمي ابنها، وإنها اختارت الأمان، ساعتها فهمت إن في ناس بتبيع أي حاجة عشان الأمان حتى لو كانت أختها، قررت ما أرفعش قضية، مش عشان أسامح، لكن عشان أمي ما كانتش هتحب تشوفنا بنتفضح في المحاكم، اكتفيت إني أحط حدودي، البيت بقى باسمي رسميًا، وأبويا فضل عايش فيه مع كريمة لكن العلاقة بينا بقت سطحية، مازن اعتذر لي كتير وقال إنه ما استحملش يشوفني بتتخدع، وأنا سامحته لأنه الوحيد اللي اختار الصراحة، بعد سنة رجعت الجنينة، شلت الكراسي البلاستيك اللي كانوا مخزنينها، وزرعت ورد جوري تاني زي ما أمي كانت بتحب، وأنا بغرس الشتلات حسيت إني بدفن آخر جزء من الخوف جوايا، الحقيقة كانت موجعة، لكن أسوأ منها كان الكدب، ويمكن أبويا ما قتلش أمي بإيده، لكن لحظة أنانيته قتلت الثقة بينا للأبد، ومع ذلك اتعلمت إن حتى لو أقرب الناس ليك خذلك، تقدر تقوم، تبني نفسك، وتحط اسمك على كل حاجة حاولوا يسرقوها منك، وفي كل ربيع لما الورد بيفتح، ببص له وأقول لأمي إني سمعت الرسالة، وإني مش هسمح لحد يمحي أثرها من حياتي تاني.

تم نسخ الرابط