بنت 7 سنين دخلت الطوارئ شايلة أختها الرضيعة في نص الليل، والبرد كان قاسي لدرجة إن النفس نفسه كان بيطلع زي الدخان قدام وشها. الأبواب الأوتوماتيك لمركز “سانت آن” الطبي اتفتحت، ودخلت منها “آفا” ببيجامة خفيفة ورجليها حافية، شايلة أختها “ليلي” وملفوفاها في بطانية وردي قديمة. شعرها كان ملزق في جبينها من التلج الدايب، وعينيها أوسع من سنين عمرها بكتير. الممرضات في الاستقبال اتجمدوا مكانهم من المشهد، طفلة صغيرة جاية لوحدها في عز العاصفة، شايلة رضيعة، وكأنها شايلة الدنيا كلها فوق كتافها. الممرضة “هانا” جريت عليها بسرعة، جابت بطانية تقيلة ولفتها حواليهم الاتنين، ووطت لمستواها وقالت بصوت كله حنية: يا حبيبتي إنتي جاية لوحدك؟ آفا ليلي أكتر وقالت وهي بتترعش: أرجوكي…
أختي جعانة… ومينفعش نرجع البيت أبداً. الكلمة دي خلت المكان كله يسكت، حتى صوت العاصفة بره بقى كأنه بعيد. الدكتور “أندرو” وصل بسرعة، ركع قدامها وقال: إنتي بطلة كبيرة قوي، خلينا نطمن على أختك الأول وبعدين تحكيلي بهدوء. آفا هزت راسها بالموافقة بس عينيها كانت رايحة جاية ناحية الباب، كأنها خايفة حد يدخل وراها. وهي بتتكلم، حكت إن جوز أمها كان بيتعامل معاها بقسوة، وإنها كانت دايماً بتحاول تحمي أختها الصغيرة لما التوتر يعلى في البيت. الليلة دي الصوت كان أعلى من العادي، والخوف كان أكبر، ولما سمعت جملة خلت قلبها يقع في رجليها، قررت تاخد أختها وتهرب من غير ما تفكر مرتين. ماخدتش جاكيت، ماخدتش جزمة، خدت بس ليلي وجريت. المستشفى بلغت الشرطة فوراً، وفي نفس اللحظة ظهر خبر
عاجل على التلفزيون عن حريق في بيت في نفس الشارع اللي آفا جاية منه. البنت شهقت وقالت: ده بيتنا… ماما جوه. قلب المكان اتقبض، والشرطة تحركت بسرعة. بعد شوية وقت تقيل زي السنين، وصل خبر إن رجال الإطفاء قدروا يخرجوا الأم في آخر لحظة، وإنها كانت فاقدة الوعي بسبب مادة منومة اتحطت لها من غير ما تعرف. لما فاقت في المستشفى وعرفت إن بنتها هي اللي أنقذت أختها، انهارت في العياط وهي بتضم آفا وتقول: سامحيني يا روحي، أنا مكنتش شايفة. التحقيقات كشفت إن جوزها كان مستخبي بهوية مزيفة، وإنه هرب من المكان قبل ما النار تكبر، لكن الشرطة قدرت تحدد مكانه من كاميرات الشارع وتم القبض عليه بعد ساعات. اتضح إن الحريق بدأ بسبب إهماله وهو بيحاول يهرب، مش بسبب البنات. الأيام اللي بعد كده
كانت صعبة، بس مختلفة. الأم دخلت برنامج دعم نفسي عشان تتعافى وتفهم إزاي تحمي بناتها، وآفا بدأت جلسات إرشاد تساعدها تخرج الخوف اللي جواها. المستشفى عملوا لها احتفال صغير، جابوا لها جزمة وردي جديدة، وقال لها الدكتور أندرو قدام الكل: الشجاعة مش إنك تكوني كبيرة، الشجاعة إنك تعملي الصح حتى وإنتي صغيرة وخايفة. آفا ابتسمت لأول مرة من قلبها، وبصت لأختها اللي كانت نايمة بأمان في حضن أمها، وحست إن “السكوت الأبدي” اللي كانت خايفة منه اتحول لضحكة خفيفة بتنور الأوضة. القصة خلصت من غير فواصل، لكن أثرها فضل مكمل، لأن بطلة صغيرة علمت الكبار إن الحب ساعات بيبقى أقوى من أي خوف، وإن خطوة حافية في عز التلج ممكن تنقذ حياة كاملة وتفتح باب أمل جديد لبيت كان على وشك يضيع.