قسوة خطيبتي

لمحة نيوز

أنا اسمي غرانت، عندي 36 سنة، ومن خمس سنين بالظبط كنت واقف في نفس الجنينة دي بلبس بدلة سودا وببص في الأرض وأنا بودّع مراتي الأخيرة قبل ما تتحط في التراب، ومن يومها وأنا شايل همين فوق كتافي: وجع الفراق، ومسؤولية بنتي "جونيبر" اللي كان عندها وقتها أربع سنين ومش فاهمة ليه ماما مش بترجع البيت. جونيبر كانت دايمًا شبه أمها في كل حاجة، نفس الضحكة اللي بتيجي على استحياء، نفس العيون الواسعة اللي فيها براءة تخلي أي حد يلين، ونفس الطيبة اللي تخليها تصدق أي كلمة حلوة تتقالها. عشت خمس سنين بقفل قلبي بالمفتاح، أروح الشغل وأرجع أجري عليها، أعملها أكلها، أذاكر لها، وأقعد جنب سريرها كل ليلة لحد ما تنام وهي ماسكة في إيدي كأنها خايفة أفلت منها زي ما الحياة فلتت أمها. كنت دايمًا أقول لنفسي إن أي ست تدخل حياتي لازم تدخل من باب جونيبر الأول، لو بنتي قبلتها يبقى خير، ولو حسّت منها بحاجة مش مظبوطة يبقى مفيش نصيب. لما "ماريبيل" ظهرت في حياتي، كانت مختلفة عن أي حد قابلته، ذكية، مهتمة بنفسها، بتعرف تقول الكلام اللي يخلي الواحد يحس إنه لسه مرغوب ومش مجرد أب أرمل عايش على الذكريات، كانت بتجيب لجونيبر هدايا وتلعب معاها قدامي وتضحك، وأنا قلبي كان عايز يصدق إن ربنا عوضني، وإن يمكن البيت يرجع فيه ضحك تاني وصوت كعب على السلم بدل الهدوء الكئيب اللي عايشين فيه. جونيبر في الأول كانت متحفظة، بس بعد شهور بدأت تقول لي إن ماريبيل لطيفة، وأنا اعتبرت ده علامة أمان ومشيت في خطوة الخطوبة

وبعدها حددنا يوم الفرح في نفس جنينة البيت، يمكن عشان أقفل دائرة الحزن وأفتح صفحة جديدة. يوم الفرح كان الجو دافي والهوا خفيف، الكراسي البيضا مرصوصة، الأنوار الصغيرة متعلقة في الشجر، والناس بتضحك وبتتصور، وجونيبر كانت لابسة فستان أبيض صغير شبه فستان أمها زمان، وكنت ناوي إنها تمشي قدام ماريبيل في الممر كنوع من رسالة إن حياتي القديمة والجديدة ماشيين مع بعض مش ضد بعض. قبل الفرح بثلاث دقايق لاحظت إن جونيبر مش في مكانها، افتكرتها راحت تشرب أو تدخل الحمام، بس الوقت عدى دقيقة واتنين وثلاثة وأنا مش شايفها، قلبي بدأ يدق بسرعة، جريت أدور عليها في الصالة، في المطبخ، ورا البيت، مفيش، لحد ما سمعت صوت خافت جاي من الحمام الجانبي، فتحت الباب لقيتها قاعدة القرفصاء على الأرض، ضامة رجليها لصدرها، وفستانها الأبيض متكرمش ومليان تراب خفيف من الأرض، عيونها حمرا كأنها بتحاول تمسك دموعها ومش قادرة. نزلت لمستواها وقلت لها بصوت مهزوز: جوني، إيه اللي مقعدك هنا يا حبيبتي؟ بصت لي وقالت بصوت مكسور: ماريبيل قالت لي أستنى هنا شوية ومطلعش خالص. حسيت كأن حد حط إيده على صدري وضغط جامد، سألتها: ليه يا روحي؟ قالت لي: قالت لي مكلمكش ومقولكش إني هنا عشان ده سر بينا. في اللحظة دي الدنيا اسودت في وشي، مش عشان بس خبّتها، لكن عشان طلبت منها تكذب عليّ، تكسر الثقة اللي بيني وبين بنتي، رجّعت خصلة شعر من على وشها وقلت لها: مفيش أسرار بينا يا جونيبر، إنتي عمرك ما تعملي حاجة من غير ما تقولّي،
فاهمة؟ هزت راسها ودمعة نزلت على خدها. قمت وأنا بحاول أسيطر على الغضب اللي بيغلي جوايا، خرجت لقيت ماريبيل واقفة بتضحك مع صحابها، ماسكة باقة الورد وبتتألق قدام الكاميرات، شدّيتها على جنب وسألتها بهدوء مخيف: إنتي قلتي لبنتي تستخبى في الحمام ليه؟ ردت ببرود مستفز: يا غرانت، مش وقت دراما، بنتك بتوترني وبتحشر نفسها في كل حاجة. قلت لها وأنا عيني في عينها: وضحي قصدك. اتنهدت بنفاد صبر وقالت الكلمة اللي قسمت ظهري نصين: أنا مش عايزة ذكرى مراتك القديمة تبقى في صور فرحي، بنتك شبهها قوي، والناس هتفضل تقارن، وأنا عايزة اليوم ده يبقى ليا أنا بس. في اللحظة دي فهمت إن كل اللطف اللي كانت بتبينه قدامي كان تمثيل، وإن جواها غيرة مش من طفلة، لكن من شبح ست ماتت وسابت بنت بريئة. الموسيقى بدأت تعلى، والمعازيم لفوا وشهم ناحية الممر، ماريبيل مدت إيدها تمسك إيدي بابتسامة مصطنعة، لكن أنا رجعت خطوة لورا، سبتها واقفة ومشيت لحد الميكروفون، حسيت بعيون الناس كلها عليّ، بس اللي كان أهم عندي وقتها عيون بنتي اللي لسه في الحمام فاكرة نفسها عبء لازم يتخبى. مسكت الميكروفون وقلت بصوت ثابت: قبل ما نكمل أي حاجة، في حاجة لازم تتقال. النهارده المفروض يكون يوم فرح، يوم بنبني فيه بيت على الصراحة والاحترام. بس من دقايق عرفت إن بنتي، أهم حد في حياتي، اتقال لها تستخبى في الحمام عشان وجودها يبوّظ الصور. همهمة خفيفة مشت بين الناس، وماريبيل لونها اتغير. كملت وقلت: أنا أب قبل ما أكون عريس، واللي مش
قادر يحب بنتي ويشوفها نعمة، يبقى مش قادر يحبني. النهارده اتأكدت إن الجوازة دي لو تمت، هتكون بداية ظلم لطفلة ملهاش ذنب غير إنها شبه أمها. وأنا مستحيل أسمح بكده. سبت الميكروفون لحظة وبصيت لماريبيل وقلت قدام الكل: الفرح ده ملغي. البيت ده مش هيخشُه حد شايف بنتي ذكرى لازم تتخبى. الصدمة كانت على وشوش الناس، في اللي شهق، في اللي همس، في اللي حاول يقنعني أهدى، لكن أنا كنت هادي بشكل عمري ما كنت كده قبل، كأني أخيرًا شايف الحقيقة من غير فلتر. ماريبيل حاولت تضحك وتقول إني فاهمها غلط، لكني قلت لها بهدوء: اللي يطلب من طفلة تكذب على أبوها عشان شكله في الصور، مش شريكة حياة، ده حد بيحسبها حسابات مصلحة. خدت جاكتي ومشيت ناحية البيت، دخلت الحمام، لقيت جونيبر لسه قاعدة مكانها، ابتسمت لها وقلت: يلا يا أميرة، عندنا آيس كريم نحتفل بيه. سألتني بخوف: الفرح خلص؟ قلت لها وأنا شايلها: أيوه، خلص قبل ما يبدأ، عشان اكتشفت إن أهم حاجة عندي كانت هتتوجع. خرجت بيها قدام الناس، ومشيت بيها من الجنينة، وسايب ورايا موسيقى سكتت وأنوار كانت منورة لفرح عمره ما كان مكتوب له يكمل. في الليلة دي، وأنا قاعد جنب سريرها لحد ما نامت، فهمت إن ربنا ما كانش بيعوضني بماريبيل، كان بيختبرني: أختار راحتي وصورتي قدام الناس، ولا أختار بنتي؟ وأنا اخترت صح، لأن الجوازة اللي تبدأ بإخفاء طفلة، عمرها ما هتبني بيت فيه أمان، ومن يومها وأنا متأكد إن قلبي ممكن يستنى سنين كمان، بس كرامة جونيبر عمرها ما تستنى ثانية.

تم نسخ الرابط