التوأمان

لمحة نيوز

اسمي ليلى، والناس دلوقتي لما يشوفوني وأنا ماشية في الشارع مع ابنيّ التوأم، نوح ويحيى، يفتكروا إن حياتي كانت طبيعية… أم خلفت أولاد وربتهم وكبروا قدام عينيها. لكن الحقيقة إن حكايتي بدأت وأنا بنت عندي 17 سنة بس، بنت لسه بتخاف من صوت الرعد، وبتستخبى في حضن أمها لو الدنيا اتقفلت في وشها. في الوقت ده كان في شاب في حياتي اسمه أدهم. أدهم كان أكبر مني بسنتين، شاب وسيم، كلامه حلو، وطموحه كبير. كنت فاكرة إننا قصة حب عادية… شاب وبنت بيحلموا بمستقبل سوا. لكن اللي حصل بعد كده كان كفيل يخليني أكبر عشر سنين في ليلة واحدة. لما اكتشفت إني حامل، الدنيا اسودت في عيني. كنت مرعوبة… مش بس من أهلي، لكن من المستقبل كله. يومها رحت لأدهم وأنا بعيط وقلت له الحقيقة. فاكرة كويس شكله وهو واقف قدامي ساكت شوية… وبعدين قال جملة عمري ما هقدر أنساها: "إنتي أكيد بتبالغي… خلينا نفكر." اليوم اللي بعده اختفى. مفيش تليفون، مفيش رسالة، مفيش حتى محاولة يسأل أنا عاملة إيه. اختفى كأنه عمره ما كان في حياتي. وبعد شهور قليلة، خلفت توأم. ولدين صغيرين جداً… كانوا أضعف من إنهم يشيلوا وجع الدنيا، لكن أنا كنت لازم أبقى قوية عشانهم. سميتهم نوح ويحيى. أول سنة كانت أصعب سنة في حياتي. كنت لسه طفلة… ومطلوب

مني أبقى أم. كنت بصحى كل ساعتين أغير حفاضات، أجهز لبن، أهدّي عياط طفلين في نفس الوقت. في أوقات كتير كنت بقعد في المطبخ بالليل أعيط بصمت عشان محدش يسمعني. لكن كل مرة كنت أبص في وشهم… كنت أقول لنفسي إنهم يستاهلوا حياة أحسن. اشتغلت أي شغلانة ممكنة. اشتغلت في مطعم، وفي مغسلة هدوم، وحتى في تنظيف البيوت. كنت برجع البيت منهكة، لكن أول ما أشوفهم يجروا عليّ وينادوا "ماما" كنت بحس إن التعب كله بيختفي. السنين عدت… وبقيت أنا وهم فريق واحد ضد الدنيا. كانوا أذكى طفلين في المدرسة. المدرسين كانوا دايماً يقولوا إنهم عندهم مستقبل كبير. كانوا بيساعدوني في كل حاجة… حتى في البيت. أوقات كتير كنت أسمعهم بالليل وهم بيذاكروا ويقولوا لبعض: "لازم ننجح عشان ماما." الجملة دي كانت بتكسر قلبي وتديني قوة في نفس الوقت. لما وصلوا للثانوية، حصلت المعجزة اللي عمري ما كنت أتوقعها. الاتنين اتقبلوا في برنامج دراسي دولي تابع لجامعة كبيرة في أمريكا. منحة كاملة تقريباً. يوم ما جالهم خطاب القبول، حضنوني الاتنين وأنا بكيت كأن ربنا أخيراً قرر يعوضنا عن سنين الشقا. لكن بعد أسبوعين بس… حصلت الصدمة. دخلوا البيت يومها وشهم متغير. كانوا ساكتين بطريقة غريبة. سألتهم: "مالكوا؟" نوح قال بصوت متردد:
"ماما… حد قابلنا النهارده." قلبي انقبض. سألت: "مين؟" يحيى رد: "بابا." الكلمة وقعت عليّ زي صاعقة. أدهم. الراجل اللي هرب من 18 سنة… رجع فجأة. وبعدها قالوا لي الجملة اللي خلت الأرض تلف بيا: إنه عرض عليهم يتكفل بكل مصاريفهم ومستقبلهم… بشرط واحد. إني أختفي من حياتهم. تاني يوم رحت له مكتبه، والمواجهة حصلت… والكلام اللي قاله اتسجل. ولما دخل نوح ويحيى المكتب وسمعوا كل حاجة، وقفته قدام الحقيقة. لأول مرة في حياته، فلوسه ما اشترتش حاجة. خرجنا من المكتب يومها وإحنا فاكرين إن القصة انتهت. لكن الحقيقة إن أدهم ماكنش من النوع اللي يستسلم بسهولة. بعد أسبوعين بدأ الهجوم الحقيقي. فجأة المنحة بتاعت الولاد اتلغت. برامج التدريب اللي كانوا مقدمين فيها رفضتهم بدون سبب. حتى المدرسة اللي كانوا فيها بعتت استفسارات غريبة عن سجلهم الدراسي. أدهم كان بيستخدم نفوذه علشان يقفل كل باب قدامهم. الليلة دي لقيت نوح قاعد في الصالة لوحده. قال لي بهدوء: "هو فاكر إنه هيكسرنا." يحيى قال: "بس إحنا اتعودنا نعيش من غيره." ساعتها فهمت إنهم بقوا رجالة فعلاً. بدل ما يستسلموا، بدأوا يقدموا في جامعات تانية بعيد عن نفوذ أدهم. كانوا يسهروا الليالي يكتبوا طلبات القبول، ويراسلوا جامعات في أوروبا وكندا.
وفي نفس الوقت، التسجيل اللي سجلته لأدهم وصل بطريقة غير مباشرة لصحفي معروف بالتحقيقات. بعد شهر تقريباً… انفجرت الفضيحة. الجرائد نشرت قصة رجل أعمال بيهدد أبناءه وبيبتز أمهم. التسجيل انتشر بسرعة رهيبة. شركاته بدأت تتبرأ منه. المستثمرين سحبوا فلوسهم. والاسم اللي بناه طول سنين بدأ ينهار في أيام قليلة. يومها اتصل بيا رقم غريب. كان أدهم. صوته كان مكسور لأول مرة. قال: "إنتي دمرتي حياتي." رديت بهدوء: "لا… إنت اللي دمرتها يوم ما سيبتنا." قفلت السكة ومبصتش ورايا تاني. وبعد شهور قليلة، جات رسالة من جامعة كبيرة في كندا. الاتنين اتقبلوا بمنحة كاملة. لما قرأت الإيميل بصوت عالي، نوح ويحيى حضنوني بقوة. وقالوا لي: "دي مش منحتنا… دي منحة تعبك." يوم السفر، كنت واقفة في المطار أحاول أمسك دموعي. نوح قال لي: "إحنا راجعين يا ماما… بس المرة الجاية هنرجع نحقق حلمك إنتي." يحيى ابتسم وقال: "إحنا نجاحنا… هو رد الجميل." وأنا واقفة أبص عليهم وهم داخلين بوابة السفر، افتكرت بنت عندها 17 سنة كانت مرعوبة من المستقبل. لو حد قال لها وقتها إن طفلين صغيرين هيبقوا أعظم حاجة حصلت في حياتها… يمكن ما كانتش هتصدق. لكن دلوقتي عرفت الحقيقة: إن أقسى البدايات أحياناً بتصنع أقوى النهايات.

تم نسخ الرابط