رموا بنتي في الشارع

لمحة نيوز

اسمي نيرة، وعندي بنت واحدة اسمها ليلي، عندها ست سنين، وهي أغلى حاجة في حياتي. من أربع سنين تقريباً، بعد ما اتطلقت من جوزي، لقيت نفسي فجأة مسؤولة عن كل حاجة: شغلي، بيتي، وتربية بنت صغيرة محتاجة أمها تبقى قوية مهما كانت تعبانة. اشتغلت ليل ونهار لحد ما بقيت الحمد لله في مكان كويس في شغلي، ودخلي بقى كبير شوية. في الوقت ده أهلي دخلوا حياتي أكتر من أي وقت فات. في الأول كان الموضوع طبيعي: مساعدة بسيطة هنا، مصاريف هناك، هدية للعيال في عيد ميلادهم. لكن مع الوقت المساعدة بقت التزام. بقيت أنا اللي بدفع مصاريف مدارس أولاد أختي ميراندا، وأنا اللي بسدد قسط البيت اللي عايشين فيه، وأنا اللي اشتريت العربية اللي بتركبها ميراندا كل يوم. أبويا كان دايماً يقول لي: "إنتي سند العيلة يا بنتي"، وأمي كانت تكرر إن ربنا رزقني عشان أقف جنبهم. وأنا كنت بصدق الكلام ده، وكنت بقول لنفسي إن العيلة لازم تقف مع بعض. السنين عدت وأنا بصرف عليهم مئات الألوف من غير ما أفكر مرتين، لدرجة إنهم بقى عندهم إحساس إن ده حق طبيعي. لكن اليوم اللي غير كل حاجة كان يوم مطر تقيل. كنت في الشغل لما المدرسة اتصلت بيا وقالوا إن ليلي خرجت بدري بسبب المطر، وإن حد من العيلة المفروض ياخدها لأنهم

كانوا عارفين إن ميراندا قريبة بالعربية. حاولت أكلمها لكن موبايلها كان مقفول. بعد شوية جالي اتصال من جار المدرسة بيقول لي إنه لقى بنت صغيرة واقفة لوحدها في المطر بتعيط، وإنها قالت له إن اسمها ليلي. قلبي وقع في رجلي. سيبت الشغل وجريت. لما وصلت لقيت ليلي لابسة الجاكت بتاعها ومبلولة وبتترعش من البرد. حضنتها وهي بتعيط وقالت لي إن خالتها عدت بالعربية قدام المدرسة وأخدت ولادها ومشيت وقالت لها إن العربية زحمة. اللحظة دي حسيت إن في حاجة اتكسرت جوايا. حاولت أتماسك قدام بنتي، لكن جوايا كان في غضب ووجع عمرهم ما اجتمعوا بالشكل ده قبل كده. رجعت البيت، غيرتلها هدومها، عملتلها شوربة سخنة وقعدت جنبها لحد ما نامت. بعدها مسكت الموبايل وقعدت أفكر في كل السنين اللي فاتت. كل مرة دفعت قسط، كل مرة اشتريت هدية، كل مرة سمعت كلمة "إنتي سندنا". وسألت نفسي سؤال واحد: لو أنا سندهم، ليه بنتي اتسابت لوحدها في المطر؟ في اللحظة دي خدت قرار. فتحت حساباتي البنكية، وقفت كل التحويلات اللي كنت بعملها كل شهر. قسط البيت اتلغى، مصاريف المدارس اتوقفت، وحتى الكارت اللي كنت مديّه لميراندا يتسحب منه مصاريف العربية قفلته. بعدها قفلت الموبايل ونمت. بعد 48 ساعة بالظبط جرس الباب بدأ يرن
بعصبية. بصيت في الكاميرا لقيتهم كلهم واقفين: أبويا، أمي، وميراندا. فتحت الباب ووقفت عند العتبة من غير ما أخليهم يدخلوا. ميراندا كانت أول واحدة تتكلم وهي بتصرخ إن المدرسة اتصلت بيها وإن مصاريف أولادها متدفعتش. أمي قالت إن البنك بعت إنذار بقسط البيت، وإن العربية ممكن تتسحب. كانوا بيتكلموا كأن المصيبة وقعت عليهم فجأة. بصيت لهم بهدوء وقلت إن الجنان الحقيقي هو إني فضلت أربع سنين بدفع كل ده لناس نسيت إن عندي بنت. حكيت لهم إن ليلي كانت واقفة في المطر لوحدها وإن جار المدرسة هو اللي جابها البيت. حاول أبويا يهون الموضوع ويقول إن المطر كان بسيط وإن العربية كانت زحمة. ساعتها ضحكت ضحكة موجوعة وقلت لهم إن بما إن العربية ضيقة والفلوس كتير عليهم، يبقى من النهارده كل واحد يتحمل مسؤوليته. قلت لهم إن البيت اللي قاعدين فيه لازم يدفعوا قسطه بنفسهم، وإن المدارس الخاصة مش فرض، يقدروا يحولوا أولادهم لأي مدرسة مناسبة، وإن ميراندا ممكن تنزل تشتغل زي أي حد في الدنيا. ميراندا بدأت تعيط وتقول إنها معندهاش فلوس. قلت لها إن اللي حصل لبنتي في المطر كان أصعب بكتير من كلمة "معنديش فلوس". بعد ما قلت كل اللي جوايا، قلت لهم بوضوح إن الفلوس اللي كانت بتطلع لهم هتتحول من دلوقتي
لحساب توفير باسم ليلي عشان مستقبلها هي. قفلت الباب بعد ما خلص الكلام. فضلوا شوية يخبطوا ويصرخوا، لكني ما فتحتش تاني. رجعت لقيت ليلي واقفة ورايا. حضنتني وسألتني لو أنا زعلانة. شيلتها وقلت لها إني مش زعلانة، أنا بس صحيت. الأيام اللي بعدها كانوا بيحاولوا يوصلوا لي عن طريق قرايب ومعارف. حد يقولي إنهم محتاجين فرصة تانية، وحد يقولي إن العيلة لازم تفضل مترابطة. لكني كنت هادية وواضحة: اللي حصل ما يتنساش، وبنتي أولى بكل حاجة. بعد شهور قليلة حياتي بقت أهدى. الفلوس اللي كنت بدفعها هناك بقت تروح لتعليم ليلي، وأنشطة بتحبها، وحساب ادخار لمستقبلها. بقيت أرجع من الشغل ألاقي البيت هادي وبنتي بتجري عليّ تضحك. في يوم وهي بتذاكر على السفرة، رفعت عينيها وقالت لي: "ماما، أنا لما أكبر هشتغل زيك عشان أساعدك." ابتسمت ومسحت على شعرها وقلت لها: "إنتي بس خليكي قوية وطيبة، والباقي كله هييجي." في اللحظة دي فهمت إن القرار اللي أخدته كان أصعب قرار في حياتي، لكنه كان الصح. لأن العيلة الحقيقية مش اللي تاخد منك وتسيبك وقت الشدة، العيلة الحقيقية هي اللي تقف جنبك وتحمي اللي بتحبهم. وأنا اخترت أحمي بنتي ومستقبلها، حتى لو كان التمن إني أقفل باب قديم وابدأ حياة أهدى وأنضف.

تم نسخ الرابط