في فرح أختي، كانوا بيبصوا لي كأني غريبة، كأني واحدة تاهت من الجراج ودخلت القاعة بالغلط. — "الناس اللي من الأشكال دي لازم يعرفوا مقامهم كويس"، ده كان صوت أبو العريس وهو بيهمس للي جنبه، بس قاصد يسمعني. أنا من طبعي مبردش باللسان.. سكت. لأن مفيش ولا واحد فيهم يعرف إن "المجموعة" اللي هو بيتباهى بفرع منها، أنا اللي أملكها بالكامل. وقبل ما الليلة دي تخلص، فيه ناس هتخسر أكتر بكثير من مجرد برستيجها. وصلت الفندق اللي على النيل قبل الفرح بثلث ساعة. الورد الأبيض مالي السلالم الرخام، والنجف الكريستال بيلمع فوق روس المعازيم اللي لابسين على سنُّو سكاينة. المكان كله كان ريحة فلوس شيك ومتلمعة أوي. كنت لابسة فستان كحلي بسيط جداً. من غير ألماظ. من غير كعب يلعلع. من غير أي منظرة. دايماً الاستهانة بيا هي التنكر المفضل عندي. إيمان أختي شافتني عند المدخل وجريت عليا، والطرحة كانت بتتهز وهي بتبوسني. — "جيتي يا كريمة!".. قالتها وهي صوتها بيترعش من التوتر والفرحة. قلت لها: "إنتي أختي يا إيمان، مكنش ينفع أكون في حتة تانية غير هنا." وقبل ما نعيش اللحظة، فيه صوت قطع علينا الكلام زي السكينة. — "يعني هي دي كريمة؟" لفيت وشي.. كان واقف رشدي سليم. طويل، لابس بدلة تكسيدو غالية جداً، وابتسامته مرسومة بمنتهى التكبر. مراته صافيناز كانت واقفة جنبه، رافعة مناخيرها للسما. ووراهم كان هاني عريس
أختي بيبتسم ابتسامة باهتة، من نوعية الرجالة اللي بيسيبوا أهاليهم يتكلموا بدالهم. إيمان بلعت ريقها: "كريمة، دي عيلة هاني." رشدي مد إيده ببرود، وبص لي من فوق لتحت، وكأنه بيفصص كل حاجة أنا مش لابساها. صافيناز قالت بضيق: "آه.. إيمان قالت لنا إنك شغالة في البيزنس." رديت بكل هدوء: "فعلاً." رشدي ضحك باستهزاء: "والله، هاني كمان شغال في المجموعة العالمية للمقاولات.. في الإدارة العليا، يعني نفوذ وكلمة مسموعة." صافيناز كملت بوقاحة: "إحنا بنهتم جداً بالمقام والمركز، دي حاجات بتفرق في الأوساط اللي زينا." ابتسمت لها بأدب: "أكيد طبعاً." عينيها ديقت وقربت مني وهمست بصوت واطي ومسموم: "الناس اللي من خلفيات تانية ممكن يحسوا إنهم غراب في مناسبات زي دي. الأحسن ليكي إنك تلتزمي الصمت." إيمان صوابعها اتشنجت وهي ماسكة بوكيه الورد: "يا طنط صافيناز—" قاطعتها بهدوء: "حصل خير يا إيمان." رشدي وهو بيعدل الزراير الدهب بتاعة قميصه كمل: "الشركة عندنا مبيحبوش الضعف، عشان كدة إحنا دايمًا في العالي." الشركة عندنا؟ الجملة كانت هتخليني أضحك من قلبي. لأن المجموعة العالمية دي مش بتاعتهم.. دي بتاعتي أنا. من خمس سنين، عملت استحواذ صامت على أغلب أسهمها بعد ما مجلس الإدارة القديم انهار في تحقيقات فساد. بنيتها من الصفر، وعارفة كل صغيرة وكبيرة فيها. رشدي سليم ده مجرد مدير إقليمي في فرع متوسط، ومرفود
من مجلس الإدارة من تلات أسابيع بسبب تجاوزات أخلاقية. وهاني العريس موظف في قطاع الاستراتيجيات، والترقية اللي خدها كانت بالواسطة. هما بس عمرهم ما شافوا وشي الحقيقي، لأن كل قراراتي بتطلع من ورا المكتب. سكت.. إيمان تستاهل يوم هادي. لكن فجأة لاحظت حاجة غيرت كل الحسابات. رشدي كان حاطط دبوس دهب صغير في جاكت البدلة.. دبوس مجلس الإدارة الأعلى. الدبوس ده مبيتسلمش غير للأعضاء الحاليين في اجتماعات مغلقة. يعني يا إما بيكذب.. يا إما بينصب باسم الشركة. رشدي لاحظ نظرتي فقال ببرود: "حاولي متكسفيش أختك النهارده." بصيت له مباشرة وقلت بهدوء: "إنت متعرفش إنت جنيت على نفسك إزاي." المزيكا بدأت، والزفة اشتغلت. إيمان كانت ماشية زي القمر وسط الورد والنور، وأنا قاعدة بهدوء. استنيت. لأن الناس اللي زي رشدي لما يقعوا.. مبيقعوش في هدوء. بعد ساعة تقريباً، لما العشا اتقدم والمعازيم بدأوا يتحركوا، طلعت موبايلي وبعت رسالة قصيرة لسكرتيرتي الخاصة: "فعّلوا القرار رقم 47.. دلوقتي." الرسالة كانت كفيلة إنها تحرك سلسلة قرارات جاهزة من أيام. في نفس اللحظة تقريباً، موبايل رشدي رن. بص للشاشة، ووشه اتغير فجأة. رد بعصبية: "أيوه؟… إزاي يعني؟… دلوقتي؟!" صوته علي فجأة والناس حواليه بدأت تبص. قال بعصبية: "أنا في فرح ابني… استنوا لبكرة!" سكت لحظة، وبعدين وشه بقى شاحب. "قرار فصل نهائي؟!" صافيناز مسكت دراعه
بقلق: "في إيه يا رشدي؟" قال بصوت واطي مرتبك: "الشركة… فصلتني رسمي." في نفس اللحظة تقريباً، موبايل هاني رن هو كمان. رد وهو متوتر. وبعد ثواني سكت تماماً. قال: "إيه؟… إلغاء الترقية؟… وتحقيق؟!" القاعة بدأت تهمس. صافيناز بصتلي فجأة، وكأنها ربطت الخيوط. قربت مني وقالت بحدة: "إنتي عملتي إيه؟" ابتسمت بهدوء وقلت: "ولا حاجة… بس الحقيقة ظهرت." رشدي قرب مني بعصبية وقال: "إنتي فاكرة نفسك مين؟!" رفعت عيني لهدوء وقلت الجملة اللي خلت الصمت يقع على الطاولة كلها: "أنا المالكة الرئيسية للمجموعة العالمية." الصمت بقى تقيل لدرجة إن صوت المزيكا بقى بعيد. كملت بهدوء: "والدبوس اللي إنت لابسه… سرقته من مجلس الإدارة. وده اسمه انتحال صفة." وشه اصفر. الناس حوالينا بدأت تفهم. صافيناز تراجعت خطوة، وهاني وقف مذهول. لكن أنا ما كنتش جايه أنتقم. بصيت لإيمان اللي كانت بتبص لنا من بعيد بقلق. ابتسمت لها وقلت بهدوء: "فرحك أهم." وبعدها قمت من مكاني وخرجت من القاعة. لأن في اللحظة دي بالذات… كل واحد فيهم كان عارف الحقيقة. والناس اللي حاولت تهيني قبل ساعة… فهمت أخيراً هما كانوا بيتكلموا مع مين. وفي الخارج، وأنا واقفة قدام النيل والهواء البارد بيعدي، وصلتني رسالة من السكرتيرة: "تم تنفيذ كل القرارات." ابتسمت لنفسي بهدوء. لأن أحياناً… أقوى رد مش بيكون بالصوت العالي. أقوى رد… إن الحقيقة تظهر لوحدها.