قسوة أبي

لمحة نيوز

فضلت 18 سنة تتفرج عليه وهو بيمد إيده عليا، وأول ما الباب يتقفل، تقرب مني وتهمس في ودني: "ما إنتي اللي عارفة إزاي تستفزيه وتطلعي شياطينه".. وكأن الوجع ده كان "اختياري" وأنا اللي روحت له برجليا. يوم ما قررت أخيراً أسيب البيت الأبيض اللي في آخر الشارع، كلمتني وقالت لي: "إنتي بتخربي البيت وبتهدي العيلة". مردتش عليها، ولا جادلتها.. لأن الجدال أصلاً مكنش هو اللي هي عايزاه مني. كنت عندي 14 سنة لما "الهمسة" دي بقت هي الموسيقى التصويرية لحياتي. فاكرة يوم في عز الحر، كنت قاعدة على بلاط الحمام البارد، حاطة فوطة مبلولة على جنبي اللي كان بيوجعني من التعب، وبسمع صوت جزمة أبويا وهي بتبعد في الطرقة. أول ما باب البيت اتقفل وصوت عربيته اختفى، أمي ظهرت كالعادة، هادية، حريصة، وعينيها ناشفة مفيهاش دمعة واحدة. قالت بصوت واطي: "ما إنتي اللي بتعرفي إزاي تضغطي على أعصابه". مقالتش "إنتي كويسة؟" ولا سألتني محتاجة إيه، كانت بس بتفكرني إن الحل الوحيد للحياة في البيت ده هو السكوت. من بره كنا نبان العيلة المثالية اللي الناس في المنطقة بيضربوا بيها المثل في الأدب والذوق، الستارة مكوية، الورد في البلكونة، والضحكة مرسومة وقت ما

حد ييجي يزورنا. لكن من جوايا أنا كنت حاسة إن في حكاية تانية خالص محدش شايفها غيري. كبرت سنة ورا سنة وأنا بحاول أفهم كلام أمي. هل فعلاً المشكلة فيا؟ هل لو كنت أهدى شوية أو سكت أكتر كان كل حاجة هتبقى أفضل؟ السؤال ده فضل معايا سنين طويلة. في المدرسة كنت دايمًا هادية، بذاكر كويس، والمدرسين بيحبوني. كنت بحس إن المدرسة هي المكان الوحيد اللي أتنفس فيه من غير خوف. كان عندي صاحبة اسمها مريم، كانت دايمًا تقول لي إن صوتي حلو لما أقرأ بصوت عالي في الفصل، وكانت تشجعني أشارك في الإذاعة المدرسية. لأول مرة حد يقول لي إن فيا حاجة حلوة. الكلام البسيط ده كان بيعمل فرق كبير جوايا. بدأت أفكر إن يمكن حياتي مش لازم تفضل محصورة بين أربع حيطان وخوف وصمت. لما دخلت الثانوية، بقيت أقضي وقت أطول في المكتبة. الكتب كانت عالم تاني، عالم فيه بنات بيحلموا ويغيروا حياتهم ويلاقوا طريقهم. مرة قريت قصة عن بنت سابت بلدها عشان تكمل تعليمها، يومها فضلت أفكر ساعات: هل ممكن أنا كمان يبقى ليا طريق؟ لما كنت أرجع البيت كانت نفس الهمسة ترجع تاني، نفس الجملة اللي سمعتها سنين: "خليكي ساكتة عشان الدنيا تمشي". لكن المرة دي بدأت أحس إن في صوت تاني
جوايا بيقول: "ليه؟". ليه السكوت هو الحل الوحيد؟ ليه المفروض أعيش طول عمري خايفة من كل كلمة؟ السؤال ده كان بداية التغيير الحقيقي. خلصت الثانوية بدرجات كويسة، وجالي قبول في كلية بعيدة شوية عن البيت. لما عرفت الخبر حسيت لأول مرة إن الباب اللي قدامي ممكن يتفتح. أمي وقتها قالت لي نفس الجملة القديمة: "خليكي جنبنا أحسن، البنت مكانها وسط أهلها". لكن المرة دي قلبي قال حاجة تانية. أنا محتاجة أشوف الدنيا بنفسي. محتاجة أعرف أنا مين بعيد عن الهمسات القديمة. يوم ما جه معاد الجامعة، وقفت قدام باب البيت الأبيض اللي في آخر الشارع، نفس البيت اللي عشت فيه كل ذكرياتي. بصيت حواليَّ، حسيت بمزيج غريب من الحنين والخوف والأمل. أمي كانت واقفة بعيد شوية، ساكتة كعادتها. لأول مرة قربت منها وقلت لها بهدوء: "أنا مش بهرب منكم… أنا بس رايحة أدور على نفسي". ما ردتش كتير، لكن عينيها كانت بتقول كلام كتير. سبت البيت وبدأت حياة جديدة في المدينة. أول شهور كانت صعبة، كل حاجة غريبة عليَّ، لكن مع الوقت بدأت أحس إني أقوى. بقيت أشتغل جنب الدراسة، وأتعرف على ناس جديدة، وأتعلم إزاي أعتمد على نفسي. أهم حاجة اتعلمتها إن الإنسان مش لازم يصدق
كل الكلام اللي اتقال له وهو صغير. أحيانًا الناس بتقول كلام لأنها خايفة أو تعبانة أو مش عارفة طريق تاني. لكن ده مش معناه إن الكلام ده لازم يحدد حياتنا. بعد سنين من الدراسة والتعب، وقفت يوم في شباك شقتي الصغيرة وأنا شايفة الشارع تحتيا مليان حياة. افتكرت البيت الأبيض في آخر الشارع، وافتكرت البنت الصغيرة اللي كانت قاعدة على أرض الحمام تفكر إنها السبب في كل حاجة. ابتسمت وقتها وقلت لنفسي: لا… ماكنتيش السبب في حاجة. كنتي بس محتاجة فرصة عشان تكبري وتفهمي إن الحياة أوسع بكتير من خوف الناس. وبعد فترة رجعت أزور أمي. البيت كان هادي زي زمان، لكن أنا ماكنتش نفس البنت اللي خرجت منه. قعدنا سوا وسكتنا شوية، وبعدين قالت لي بهدوء: "يمكن كنت بخاف زيادة". ما كانش اعتذار صريح، لكنه كان أقرب حاجة ليه. ابتسمت لها وقلت: "المهم إننا لسه قدامنا وقت نفهم بعض". خرجت من البيت يومها وأنا حاسة براحة غريبة. فهمت إن الخروج من الماضي مش معناه إننا نكرهه، لكن معناه إننا نتعلم منه ونكمل طريقنا. والحقيقة اللي اكتشفتها بعد كل السنين دي إن الإنسان ممكن يعيش سنين طويلة وهو فاكر إن صوته ضعيف، لكن أول ما يقرر يسمعه… حياته كلها ممكن تتغير.

تم نسخ الرابط