سر المليون جنيه

لمحة نيوز

اسمي سارة، كنت وقتها طالبة في سنة تالتة تجارة وإدارة أعمال في جامعة القاهرة. أصلي من قرية صغيرة في سوهاج، وأهلي ناس بسيطين جدًا، مزارعين طول عمرهم بيحوشوا القرش فوق القرش عشان يعلموني في العاصمة. كنت أول واحدة في عيلتنا تدخل جامعة كبيرة، وكنت حاسة إن على كتافي مسؤولية ضخمة. كنت ساكنة في أوضة صغيرة إيجار في الجيزة، وبشتغل بعد المحاضرات في كافيه في وسط البلد عشان أقدر أدفع مصاريفي وأبعت شوية فلوس لأخويا الصغير اللي في ثانوي. حياتي كانت بسيطة جدًا، يومي عبارة عن جامعة وشغل ومذاكرة، ومفيش أي رفاهية تقريبًا. كنت بحلم بس إني أتخرج وأشتغل شغل محترم يغير حال أهلي.

في ليلة من الليالي، بعد ما خلصت شيفت طويل في الكافيه، صاحبتي "مي" قالت لي إن فيه حفلة في مطعم شيك جدًا في الزمالك، وإن المكان بيدور على بنات يشتغلوا "ويتر" في المناسبات. كنت تعبانة ومش طايقة أتحرك، لكن فكرة الشغل الإضافي كانت مغرية. لبست بسرعة وروحنا. المكان كان فخم جدًا بالنسبة لواحدة زيي، نور خافت، موسيقى هادية، وناس باين عليهم أغنياء جدًا. حسيت إني غريبة وسطهم. قعدنا شوية، وجابت لي مي عصير وقالت لي أشربه عشان أروق. كنت مرهقة جدًا، شربته بسرعة من غير ما أفكر. بعد شوية بدأت الدنيا تلف بيا، وحسيت بثقل رهيب في جسمي. آخر حاجة فاكرة إني كنت بحاول أقول لمي إني مش قادرة أقف.

لما فتحت عيني… كنت في مكان تاني تمامًا. سقف عالي، ستاير تقيلة، وصوت المية بتخبط في الشباك. استوعبت بعد لحظات إني في جناح فندق فاخر على النيل. قلبي بدأ يدق بجنون. بصيت حواليّ

لقيت راجل كبير في السن واقف عند الشباك. شعره أبيض، ولبسه شيك جدًا. أول ما حس إني صحيت، قرب مني وقال بهدوء: "اطمني… مفيش حاجة حصلت." حاولت أتكلم لكن لساني كان تقيل. بصيت على الكومودينو لقيت ظرف بني كبير. فتحته بإيدي المرتعشة… كان فيه مليون جنيه كاش. مليون جنيه! الرقم اللي عمري ما تخيلته في حياتي. جنب الفلوس ورقة صغيرة مكتوب فيها: "اعتبريه نصيب… وما تدوريش عليا." رفعت عيني له وأنا مصدومة، لكنه كان بالفعل خارج من الجناح. الباب اتقفل وراه بهدوء. اختفى كأنه حلم.

الأيام اللي بعد كده كانت أصعب أيام في حياتي. حسيت بإهانة وذل. كنت مش فاهمة حصل إيه ولا ليه. هل كنت مجرد سلعة؟ هل الراجل اشتراني؟ الفكرة كانت بتكسرني. قعدت أيام أعيط ومش عارفة أعمل إيه. فكرت أرجع الفلوس، لكن ماكانش فيه أي وسيلة أعرف أوصله بيها. في الآخر، بعد صراع طويل مع نفسي، قررت أتعامل مع الفلوس كأنها فرصة… فرصة تغير حياتي. دفعت مصاريف الجامعة كلها، سددت ديون أهلي، وبعت مبلغ كبير لأبويا عشان يصلح الأرض ويشتري ماكينة ري جديدة. كملت دراستي بتركيز رهيب. كأن عندي هدف لازم أوصله عشان أثبت لنفسي إن اللي حصل ماكانش نهاية كرامتي.

مرت السنين. اتخرجت بتقدير امتياز، واتقبلت في شركة استثمارات كبيرة في القاهرة. اشتغلت بجد لدرجة إن اسمي بدأ يتعرف في المجال. بقيت مديرة قسم وأنا لسه في أواخر العشرينات. حياتي استقرت، اشتريت شقة صغيرة، وبقيت أساعد أهلي باستمرار. لكن رغم كل النجاح، السؤال كان دايمًا ساكن جوايا: مين الراجل ده؟ وليه عمل كده؟ كنت ساعات أحلم

بوشه… نفس النظرة الهادية، ونفس الجملة الغريبة.

بعد 7 سنين بالظبط، شركتي بعتتني أحضر مؤتمر كبير لرجال الأعمال في القاهرة. المؤتمر كان مليان شخصيات مهمة. وأنا قاعدة في القاعة، الشاشة الكبيرة عرضت صورة متبرع رئيسي لمستشفى أورام الأطفال. أول ما شفت الصورة… قلبي وقف. كان هو. نفس الراجل. نفس الشعر الأبيض والنظرة الهادية. حسيت رجلي بتترعش. بعد ما خلصت كلمته، نزل من المسرح وبدأ الناس تسلم عليه. فضلت واقفة دقيقة كاملة بحارب خوفي… وبعدين مشيت ناحيته.

وقفت قدامه وقلت بصوت مهزوز: "أنا سارة… فاكرني؟" رفع عينيه وبص لي نظرة طويلة. الغريب إنه ما اتفاجئش. كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين. قال بهدوء: "كنت عارف إنك هتجي في يوم." اتوترت أكتر وقلت: "إنت عملت كده ليه؟ ليه مليون جنيه؟" سكت لحظة، وبعدين قال جملة خلت الأرض تميد بيا: "يا سارة… أنا ملمستكيش ليلتها. المليون جنيه دول ماكانوش تمن ليكي… كانوا دية عن ذنب قديم."

ما فهمتش حاجة. قلت له: "ذنب إيه؟" تنهد وقال: "قبل عشرين سنة… كان عندي شريك في الشركة. راجل شريف اسمه حسن. حصل خلاف كبير بينا، وأنا بسبب طمعي خسرته كل حاجة. ضغطت عليه لحد ما الشركة وقعت، وهو خسر أرضه وبيته. بعدها بشهور مات من القهر. بعدها اكتشفت إنه كان عنده بنت صغيرة… اسمها سارة." قلبي دق بعنف. قال وهو باصص في عيني: "فضلت أدور عليكي سنين… لحد ما عرفت إنك بتدرسي في القاهرة وبتشتغلي عشان تعيشي." حسيت الدنيا بتلف. قلت بصوت ضعيف: "يعني… أنا بنت حسن؟" هز راسه بحزن: "أيوه… أبوكي كان أطيب واحد قابلته في حياتي.

وأنا كنت السبب في دمار حياته."

وقفت مش قادرة أتكلم. كل الذكريات عن أبويا اللي مات وأنا صغيرة رجعت مرة واحدة. كملت بصوت مرتجف: "طيب… إيه موضوع إن في حد لازم أنقذه؟" بص حواليه لحظة، وبعدين قال: "ابني." اتصدمت. قال: "عنده مرض نادر في القلب، والعملية اللي ممكن تنقذه محتاجة متبرع مطابق بنسبة عالية. وبعد تحاليل كتير… لقينا إن أقرب تطابق جيني… إنتي." فهمت ساعتها الحقيقة. هو كان عارف إني ممكن أكون الأمل الوحيد لإنقاذ ابنه. لكنه ماقدرش يطلب مني حاجة وقتها، فقرر يساعدني من بعيد… ويدفع ثمن ذنبه.

وقفت صامتة. جوايا صراع رهيب بين الغضب والشفقة. الرجل اللي قدامي كان السبب في معاناة أبويا… لكنه برضه أنقذ حياة عيلتي بالفلوس دي. وبعد لحظات طويلة قلت له: "أنا محتاجة أفكر." ابتسم بحزن وقال: "مهما كان قرارك… أنا هتفهم."

رجعت البيت الليلة دي وأنا مش قادرة أنام. فكرت في أبويا، في أمي، في السنين اللي فاتت. وفي الآخر وصلت لقرار. الصبح رجعت للمستشفى وقابلته. قلت له: "أنا هعمل العملية." عينيه لمعت بالدموع. قلت بهدوء: "مش عشانك… عشان أبويا كان راجل طيب، وأنا متأكدة إنه ماكانش هيرفض ينقذ حياة طفل."

مرت الشهور، والعملية نجحت. ابنه عاش. وبعدها بفترة قصيرة، الرجل باع جزء كبير من ثروته وتبرع بيه لبناء مستشفى خيري باسم حسن… اسم أبويا. وقتها بس حسيت إن الدائرة اتقفلت. الحقيقة اللي ظهرت بعد سبع سنين ما هدتش حياتي… لكنها غيرتها للأبد. فهمت إن بعض الأخطاء ممكن تفضل تطارد صاحبها طول عمره… لكن أحيانًا، فرصة واحدة للخير ممكن تصلح

جزء من الماضي. وأنا… كنت الفرصة دي.

تم نسخ الرابط