الطفل وسر الكفن الاسود

لمحة نيوز

ريتا كانت واقفة في منتصف أوضة النوم وعيونها متعلقة بالكفن الأسود الصغير اللي دانيال حطه قدامها على السرير، إيديها كانت بتترعش وقلبها بيدق بعنف وهي مش قادرة تستوعب اللي بيحصل. ابنها زين كان نايم بهدوء في سريره الصغير، طفل جميل ملامحه بريئة كأنه قطعة من القمر، ووجوده كان بالنسبالها معجزة بعد سنين من الألم. بصت لدانيال وقالت بصوت مكسور: "إنت مجنون؟ ده ابننا… إنت عايز تعمل إيه؟" لكن دانيال كان واقف قدامها بعينين جامدتين زي الحجر، كأنه شخص تاني غير الراجل اللي اتجوزته من سنتين وحبته بكل قلبها. الحقيقة إن قصة ريتا مع دانيال بدأت كحلم جميل. اتقابلوا في حفلة لشركة كان بيشتغل فيها، وكان شخص جذاب جدًا، ذكي ولبق، وكل البنات كانت معجبة بيه، لكنه اختار ريتا هي. كان بيغمرها باهتمامه، يجيب لها هدايا بدون سبب، يخرجها لأماكن جميلة، ويقول لها دايمًا إنها أهم شخص في حياته. لما طلب إيدها للجواز وافقت من غير تردد، وحست إنها أخيرًا لقت الأمان. في الشهور الأولى بعد الجواز كانت حياتهم مثالية، بيت هادي، سفرات قصيرة، وضحك كتير. لكن أول شرخ في الصورة ظهر لما اكتشفت إنها حامل لأول مرة. كانت فرحانة جدًا وجريت عليه تبشره، لكن بدل ما يفرح، وشه اتغير فجأة وقال ببرود: "لازم تسقطي الجنين". افتكرت إنه بيهزر، لكنها اكتشفت بسرعة إنه جاد. حاولت تفهم السبب لكنه كان دايمًا يكرر نفس الجملة: "أنا مش مستعد أبقى أب دلوقتي". رغم إنهم كانوا مستقرين ماديًا، ورغم إن مفيش سبب واضح. بكت

وترجته، لكنه أصر، وفي النهاية خضعت. بعدها بشهور قليلة حملت تاني… ونفس القصة اتكررت. مرة بعد مرة، لحد ما وصلوا لعشرة مرات إجهاض خلال سنتين. كل مرة كانت ريتا تحس إن جزء من قلبها بيموت. كانت تقوم بالليل تصلي وتبكي وتتمنى طفل، لكن دانيال كان كل مرة يتحول لشخص قاسي ما يعرفش الرحمة. الغريب إنه في باقي حياته كان طبيعي جدًا، يضحك ويهزر ويعاملها كويس، كأن الموضوع ده خط أحمر ممنوع يتناقش فيه. لحد ما جه اليوم اللي اتصلوا فيه بدانيال من شغله وطلبوا منه يسافر في مهمة طويلة خارج مصر لمدة تسعة شهور. يوم سفره، ريتا حست لأول مرة براحة غريبة، كأن حمل تقيل اتشال من على صدرها. وبعد أسابيع قليلة اكتشفت إنها حامل تاني. ساعتها وقفت قدام المراية وبكت، بس المرة دي دموعها كانت مختلفة. قالت لنفسها إن ده طفلها، وإن مفيش حد هيحرمه من الحياة. عاشت شهور الحمل بحذر شديد، كانت تخاف من كل حاجة، لكنها كانت في نفس الوقت مليانة حب وأمل. كانت تقضي ساعات تتخيل شكل طفلها وصوته. لما جاء يوم الولادة، دخلت المستشفى وحدها تقريبًا، لكن قلبها كان قوي. وبعد ساعات طويلة من الألم، خرج زين للحياة. أول ما حضنته، حست إن كل السنين اللي فاتت اتغسلت من وجعها. كبر الطفل بسرعة خلال الأسابيع الأولى، وكان هادي وجميل، وكل اللي يشوفه يقول إنه طفل مبارك. لكن اللحظة اللي رجع فيها دانيال من السفر قلبت كل حاجة. دخل البيت، ولما سمع صوت بكاء الطفل اتجمد في مكانه. مشى ببطء لحد ما شاف زين في سريره، ووشه شحب
بشكل مخيف. قال بصوت مرتعش: "ده… ده طفل؟". ريتا افتكرت إنه هيفرح أخيرًا، لكنها اتفاجأت لما مسك موبايله واتصل بحد وطلب كفن أسود صغير يوصل فورًا. بعدها بدقائق وصل الكفن، ووقف قدامها وهو بيقول بجنون: "حطيه فيه… ده المكان اللي لازم ينام فيه النهارده". ريتا شعرت إن روحها بتتسحب من جسمها. صرخت فيه: "إنت اتجننت؟ ده ابنك!" لكن دانيال فجأة انهار على الكرسي وهو بيشد شعره بعصبية. لأول مرة شافت الرعب الحقيقي في عينيه. قال بصوت مكسور: "إنتي مش فاهمة… لو الطفل ده عاش… إحنا كلنا هنموت". الكلمات وقعت عليها كالصاعقة. قالت: "إيه الكلام ده؟". سكت لحظة طويلة كأنه بيصارع نفسه، وبعدين بدأ يحكي الحقيقة اللي كان مخبيها سنين. لما كان صغير، كان والده تاجر كبير لكنه كان مهووس بالسحر الأسود. في يوم دخل دانيال الأوضة السرية في بيتهم وشاف طقوس مرعبة. والده كان بيعمل عهد مع كيان غامض عشان يحصل على ثروة ونفوذ. لكن العهد كان له شرط مرعب: أول ابن يولد في نسل العيلة لازم يُقدَّم قربان قبل ما يكمل أربعين يوم. والده فعلاً نفذ الطقس لما اتولد أخوه الأكبر. لكن قبل ما ييجي دور دانيال، مات الأب فجأة وانقطعت الطقوس. دانيال عاش عمره كله مرعوب من اللعنة. ولما كبر واتجوز، كان بيجبر ريتا على الإجهاض لأنه كان خايف يجيب طفل يتكرر فيه المصير. لكنه ماكانش متوقع إن طفل يتولد وهو بعيد. قال لها وهو يبكي: "الليلة دي هي الليلة الأربعين… ولو ما نفذناش العهد… الكيان اللي أبوي استدعاه هييجي ياخد
حقه بطريقته". ريتا كانت مصدومة لكنها حضنت ابنها بقوة وقالت: "مفيش قوة في الدنيا هتاخده مني". في نفس اللحظة انطفأت أنوار البيت فجأة، وبدأت ريح باردة تدخل من الشبابيك المقفولة. صوت خبط غريب بدأ يتردد في الجدران. دانيال ارتعب وقال: "بدأ…". ريتا رغم خوفها مسكت ابنها ووقفت في وسط الأوضة. فجأة ظهرت شقوق سوداء على الحائط كأن الظلام نفسه بيتحرك. صوت خشن خرج من الفراغ يقول: "العهد… لم يُنفَّذ". دانيال وقع على ركبته وهو بيصرخ: "خدني أنا… سيب الطفل". لكن الظلام بدأ يقترب من السرير. ريتا أغمضت عينيها وبدأت تدعي بكل ما في قلبها. كانت بتقرأ آيات حفظاها من صغرها، وتبكي وهي تضغط ابنها لصدرها. فجأة توقف الصوت، وكأن قوة تانية ظهرت في المكان. الضوء رجع تدريجيًا، والهواء الدافي رجع للأوضة. الظلام بدأ يتراجع ببطء، والصوت اختفى تمامًا. دانيال رفع رأسه بذهول. ريتا كانت لسه واقفة ماسكة طفلها. ساد صمت طويل. بعد دقائق، خرجوا من البيت وهم منهارين. في الأيام اللي بعدها اكتشف دانيال إن اللعنة اتكسرت. شيخ كبير قال لهم إن الإيمان والدعاء الحقيقي ممكن يكسر أي عهد شيطاني لو الشخص رفضه بقلبه. بعد شهور قليلة، بدأ دانيال يتغير فعلًا. ندمه كان حقيقي. حاول يعوض ريتا عن كل اللي فات، وكرس حياته لحماية عيلته. زين كبر طفل طبيعي، مليان ضحك وطاقة. وأحيانًا لما ريتا كانت تبص له وهو بيلعب، كانت تفتكر الليلة المرعبة دي وتدرك إن الحب والشجاعة أحيانًا بيكونوا أقوى من أي ظلام في الدنيا.

تم نسخ الرابط