في قاعة المحكمة

لمحة نيوز

الكل وقف مذهول في قاعة المحكمة.. إزاي الأب ده بيحضن الولد اللي قتل بنته؟ وقفت هناك في نص القاعة، لابس جاكت الجلد القديم بتاعي، ودراعي ملفوف حوالين عيل عنده 16 سنة لابس بدلة السجن البرتقالي، جسمه كله بيتنفض من العياط، وأنا حاضنه كأنه ابني. القاعة كلها كانت ساكتة بشكل يخوف. الصحفيين وقفوا يكتبوا بسرعة، الناس في المقاعد الخلفية بتهامس، ووكيل النيابة واقف مش مصدق اللي شايفه. القاضي نفسه كان باصص لنا بنظرة مليانة حيرة. مراتي كانت قاعدة في آخر صف، عينيها حمرا من كتر العياط، وإيديها متشابكة كأنها بتدعي. القاضي قال بصوت هادي لكنه مليان تعجب: "يا أستاذ رأفت… الشاب ده اعترف حالاً إنه السبب في موت بنتك. كسر الإشارة وهو سكران، وخبط عربيتها، وبنتك ماتت في وقتها. ممكن تفهمنا ليه واقف هنا بتحضنه؟" سكتت لحظة، حسيت إن صدري بيتقبض، وبصيت للولد اللي في حضني… ماركوس. كان بيبص للأرض كأنه مستني الحكم اللي هيكسر حياته. قلت: "سيادة القاضي… أنا عارف كل ده. أنا عارف إن ابني… قصدي بنتي ليندا… ماتت بسببه." القاعة كلها اتشدت لكلامي. كملت وأنا صوتي بيترعش: "ليندا كان عندها 17 سنة. كانت كل حاجة في حياتي. كانت بترسم، وكانت

بتحب الموسيقى، وكانت بتضحك بصوت عالي يملأ البيت كله. الليلة دي كانت راجعة من عند صاحبتها الساعة 11 بالليل. بعدها بدقايق… العربية اللي كان ماركوس سايقها خبطتها من ناحية السواق. البوليس قال إنها ماتت في ثواني." حسيت دموعي بتطلع رغم عني. مسحت وشي بسرعة وكملت: "يومها أنا دفنت بنتي… ودفنت معاها نص قلبي." القاعة كلها كانت ساكتة، حتى القاضي بطل يكتب. قلت: "أول شهر بعد الحادثة كنت عايز أقتل الولد ده بإيدي. كنت بحلم إني بخنقه. كنت شايف وشه في كل حتة. مكنتش قادر أعيش." بصيت لماركوس اللي كان واقف جنبي. قلت: "لكن بعد 3 شهور… حصلت حاجة غيرت كل حاجة." طلعت الجواب القديم من جيب الجاكت. الورقة كانت مهترية من كتر ما قريتها. قلت: "أم ماركوس جت بيه لحد باب بيتي. كانت بترجاني أقرأه. الجواب ده كتبه ماركوس من دار الأحداث." فتحت الورقة وابتديت أقرأ: "أنا عارف إنك عمرك ما هتسامحني. وأنا مش طالب ده. أنا بس عايزك تعرف إن الليلة دي كانت أسوأ ليلة في حياتي. أبويا كان بيموت في البيت، وأنا كنت لوحدي معاه. مكنتش عارف أعمل إيه. شربت… مش عشان أتبسط، لكن عشان كنت مرعوب. لما سقت العربية كنت فاكر إني قادر أوصله المستشفى بسرعة…
لكني دمرت حياة بنتك وحياتي." صوتي بدأ يتكسر وأنا بكمل: "آخر حاجة فاكرها قبل ما البوليس يجي… إن بنتك كانت لسه عايشة لحظة. بصت لي… وابتسمت. ابتسامة صغيرة كأنها بتقولي: خلاص… متخافش." القاعة كلها كانت ساكتة بشكل تقيل. قلت وأنا ببص للقاضي: "سيادة القاضي… أنا قضيت شهور أفكر في اللحظة دي. بنتي كانت أطيب إنسانة في الدنيا. لو كانت عايشة… كانت هتسامحه." القاضي سأل بهدوء: "لكن ده مش معناه إن الجريمة تختفي." هزيت راسي وقلت: "أنا مش بطلب كده. أنا عارف إن القانون لازم ياخد مجراه. بس أنا بطلب حاجة تانية." القاضي رفع حاجبه وقال: "إيه هي؟" لفيت وبصيت لماركوس. حطيت إيدي على كتفه وقلت: "أنا بطلب إنكم تسيبوا الولد ده يعيش… ويتعلم. بدل ما يتحبس سنين ويطلع إنسان مكسور، خلوه يكفر عن اللي عمله بطريقة تانية." القاعة كلها بدأت تهمس. كملت كلامي: "أنا مستعد آخده يشتغل معايا في الورشة. يخدم المجتمع. يحكي قصته لكل شاب بيفكر يسوق وهو سكران. يخلي موت بنتي سبب إن ناس تانية تعيش." ماركوس انهار في العياط. أمه في الصفوف الخلفية كانت بتغطي وشها وهي بتبكي. القاضي سكت فترة طويلة… كأنه بيفكر في كل كلمة. بعد دقائق قال: "المحكمة
لا تستهين بخطورة ما حدث… لكن المحكمة أيضاً ترى قيمة الندم الحقيقي." القاعة كلها اتشدت لكلامه. قال: "الحكم سيكون برنامج إصلاح إلزامي، وخدمة مجتمعية تحت إشراف مباشر… مع سحب رخصته لسنوات طويلة." نفس طويل خرج من صدري كأني كنت غرقان وطلعت على السطح. ماركوس بص لي بعيون مليانة دموع وقال: "أنا آسف… والله آسف." حضنته تاني قدام القاعة كلها. بعد شهور… الولد بدأ يشتغل معايا في الورشة. في الأول كان ساكت طول الوقت. لكن مع الأيام… بدأ يتغير. بقى يروح مدارس ويحكي قصته للطلبة. كل مرة كان يقول جملة واحدة: "أنا قتلت بنت… بسبب لحظة تهور." وفي كل مرة كنت بسمعها… قلبي يتوجع. لكن في نفس الوقت كنت حاسس إن ليندا… يمكن تكون مبتسمة في مكان ما. لأنها حتى في لحظة موتها… اختارت التسامح بدل الكراهية. وفي يوم بعد سنة كاملة من الحادثة… ماركوس وقف جنبي قدام قبرها، وحط وردة وقال بصوت مكسور: "وعد… عمري ما هنسى." وأنا وقفت جنبه وبصيت لاسم بنتي على الحجر… وحسيت لأول مرة من يوم ما ماتت… إن وجعي لسه موجود، لكنه بقى أخف شوية. لأن التسامح… رغم إنه أصعب حاجة في الدنيا… أحياناً بيكون الشيء الوحيد اللي ينقذ القلوب من إنها تتحول لظلام.

تم نسخ الرابط