أجبرت حماتها تنام في الممر

لمحة نيوز

أجبرت حماتها على النوم في الممر لسنوات طويلة بحجة أن البيت صغير، وتحملت المرأة العجوز ذلك في صمتٍ عجيب، لم تشتكِ لأحد ولم تنطق بكلمة لابنها الوحيد، كأنها قررت أن تبتلع الألم وحدها حتى لا تهدم الصورة الجميلة التي رسمتها له عن بيته وزواجه إلى أن جاء اليوم الذي طرق فيه المحامي الباب، فانكشفت الحقيقة، ووقف الجميع مذهولين أمام ما لم يتخيله عقل. في حي القلعة الشعبي القديم في القاهرة كانت البيوت ضيقة لكن القلوب زمان كانت أوسع من الشوارع، وكانت الحكايات تتنفس من بين الحيطان العتيقة، وكان هناك بيت قديم من دورين تعيش فيه الست زينب، امرأة نحيلة الملامح لكن في عينيها قوة لا تخطئها العين، امرأة عاشت عمرها كله تقاوم الدنيا من أجل ابن واحد اسمه محمود، منذ أن مات زوجها وهو طفل صغير لم يتجاوز الخامسة. يومها وقفت أمام قبر زوجها ووضعت يدها على صدرها وقالت بصوت مكسور لكنها ثابتة اطمن ابنك في عيني. ومنذ تلك اللحظة أصبحت الدنيا بالنسبة لها معركة طويلة. كانت تعمل بالخياطة نهارًا وتطرز فساتين الجيران، وفي الليل تجلس أمام ماكينة قديمة لا يتوقف صوتها حتى الفجر، وأحيانًا كانت تقبل أعمال تنظيف في البيوت الكبيرة حتى لا يشعر محمود يومًا أنه أقل من زملائه. باعت ذهبها قطعة قطعة لتدفع مصاريف المدرسة والكتب والدروس، وكانت تقول لكل من يسألها لماذا تتعبين هكذا ابني لازم يبقى راجل متعلم ده مستقبلي كله. كبر محمود فعلًا، وكان ذكيًا وطموحًا، دخل الجامعة ثم حصل على وظيفة محترمة في شركة كبيرة، يومها عادت الست زينب

إلى البيت ووقفت أمام صورة زوجها المعلقة على الحائط وهمست بفخر وعدي وفّيت بيه. كان البيت وقتها مليئًا بالحياة، الجيران يدخلون ويخرجون، ورائحة الطعام تملأ الشارع، والست زينب تضحك من قلبها وهي ترى ابنها يكبر أمام عينيها. ثم جاء اليوم الذي عاد فيه محمود إلى البيت ومعه زوجته الجديدة هبة، فتاة جميلة وأنيقة، تتكلم بنعومة وتضحك كثيرًا، وفي أول يوم دخلت فيه البيت احتضنتها الست زينب كأنها ابنتها التي لم تنجبها أبدًا وقالت لها بصدق البيت بيتك يا بنتي. لم تكن تعرف أن تلك الكلمات البسيطة ستتحول بعد سنوات إلى جرح عميق في قلبها. في البداية كانت الأمور طبيعية، كانت هبة تتصرف بلطف، تساعد أحيانًا في المطبخ، وتجلس بجوار حماتها لتتعلم منها وصفات قديمة، وكانت تقول لها أنا محظوظة إن عندي أم زيك. لكن الأيام كانت تكشف شيئًا آخر خلف الابتسامة الهادئة. بعد أشهر قليلة بدأت هبة تتذمر من ضيق الشقة، رغم أنها كانت مكونة من ثلاث غرف وصالة وممر طويل، كانت تقول كل ليلة تقريبًا الشقة صغيرة أوي مش عارفين نتحرك فيها. كانت الست زينب تستمع بصمت ولا ترد، فهي لم تكن تحب المشاكل، وكانت تظن أن الأمر مجرد تذمر عابر. لكن التذمر تحول تدريجيًا إلى تصرفات غريبة، بدأت هبة تملأ غرفة الست زينب بالكرتون والصناديق بحجة ترتيب البيت، ثم بدأت التلميحات الباردة تظهر في كلامها السرير كبير على أوضة واحدة وإنتِ يا طنط نومك خفيف والممر فيه هوا أحسن. وفي ليلة لم تنسها الست زينب ما حييت، وجدت سريرها قد أُخرج من الغرفة ووُضع في الممر الطويل
قرب الباب. لم تقل شيئًا، فقط وقفت للحظة تنظر إلى الفرشة الصغيرة الموضوعة على كنبة خشبية قديمة، ثم تنهدت بصمت وفرشت بطانيتها فوقها. كان الممر باردًا في الشتاء، والضوء الخافت القادم من الشارع يدخل عبر الشباك الضيق، وكانت تسمع من الداخل ضحك محمود وزوجته وصوت التلفزيون، بينما هي تحاول أن تنام وهي تشعر أن شيئًا في روحها قد انكسر. لم تشتكِ يومًا، وحتى عندما كانت الجارات يسألنها لماذا تنامين هنا، كانت تبتسم وتقول أنا كده مستريحة. أما محمود فكان عمله يتطلب السفر كثيرًا، وكان يغيب أيامًا وربما أسابيع خارج القاهرة، وكلما عاد كانت هبة تستقبله بأفضل ثيابها وتضع له الطعام وتضحك معه، وإذا سأل عن أمه قالت ببساطة دي فترة مؤقتة لحد ما نرتب البيت. وكان محمود يصدقها لأنه لم يتخيل أبدًا أن زوجته يمكن أن تؤذي أمه. مرت السنوات والست زينب تنام في الممر كأنها قطعة أثاث منسية، جسدها يضعف يومًا بعد يوم، وآلام المفاصل لا تفارقها، وفي ليالي الشتاء كانت ترتجف من البرد لكن لا تطرق باب الغرفة حتى لا تزعج أحدًا. الجيران كانوا يرون ذلك ويتهامسون دي قسوة قلب، لكن أحدًا لم يتدخل لأن البيوت أسرار. أما هبة فكانت مع مرور الوقت تتصرف كأنها صاحبة المكان، غيرت مفاتيح الأبواب، وأعادت ترتيب الغرف، وبدأت تتحدث عن بيع الشقة وشراء شقة في كومباوند فاخر بعيد عن الحي الشعبي، وكانت تقول لمحمود إحنا لازم نعيش بمستوى أحسن. وفي يوم من الأيام بينما كانت هبة جالسة في الصالة تخطط للمستقبل الذي تحلم به، دق جرس الباب فجأة، فتحت الباب
لتجد رجلًا في منتصف العمر يرتدي بدلة رسمية ويحمل حقيبة أوراق، قال بهدوء أنا محامي وجاي بخصوص إجراءات نقل ملكية الشقة. ابتسمت هبة بثقة ونادت على محمود قائلة تعال يا محمود الأستاذ جاي يخلص موضوع نقل الشقة. دخل المحامي وجلس على الكرسي، ثم فتح حقيبته وأخرج ملفًا قديمًا مليئًا بالأوراق، نظر إلى محمود وقال أنا جاي بخصوص ملكية الشقة المسجلة باسم صاحبتها الأصلية. ضحكت هبة وقالت أيوه محمود هينقلها لاسمي. رفع المحامي حاجبه بدهشة وقال ببرود محمود مين؟ الشقة دي أصلاً مسجلة باسم الست زينب من تلاتين سنة. صمتت الغرفة فجأة، والتفت الجميع نحو الممر حيث كانت الست زينب واقفة بهدوء تحمل صينية الشاي. أكمل المحامي كلامه وهو يخرج ورقة مختومة الست زينب باعت الشقة بعقد رسمي لدار أيتام من سنوات طويلة، لكن العقد فيه بند واضح يسمح لها بالسكن فيها مدى الحياة، وبعدها تنتقل الملكية للدار. اتسعت عينا هبة وقالت بعصبية إزاي يعني؟! نظر إليها المحامي بصرامة وقال وفي بند تاني يسمح للدار باستلام الشقة فورًا لو ثبت سوء معاملة لصاحبة حق الانتفاع. هنا تحولت الأنظار نحو الممر مرة أخرى، والكل فهم الحقيقة في لحظة واحدة. أكمل المحامي الست زينب قدمت طلب رسمي لتفعيل البند والدار
جهزت لها سكن بديل في دار رعاية فاخرة، أما الشقة فسيتم استلامها خلال أيام. في تلك اللحظة شعر محمود وكأن الأرض اختفت من تحت قدميه، جلس على الأرض وهو ينظر إلى أمه بعينين ممتلئتين بالصدمة والندم، أما هبة فكان وجهها شاحبًا كأن الدم انسحب منه فجأة، لأنها

تم نسخ الرابط