قصة بقلم نور محمد
كنت لسه طالعة من أوضة العمليات، جسمي كله بيتقطع من الألم، وكل نفس بطلعه كأنه بيتسحب بالعافية من صدري… بطني مربوطة بشاش أبيض تقيل، والجرح شادد عليا كأن حد بيغرز سكينة جوايا مع كل حركة. بس رغم الوجع ده كله، كنت حاسة براحة غريبة… راحة واحدة ضحت بحاجه غالية عشان تنقذ روح. أنا ندى… اللي قررت تدي كليتها لـ "سلوى" أخت جوزها، عشان تعيش. أحمد كان بيبكي تحت رجلي قبل العملية، كان بيحضن إيدي ويقوللي إن عمري ما هلاقي راجل يحبني ويقدّرني زيه، وإنه هيفضل شايلني فوق راسه العمر كله… وأنا صدقته. صدقته لدرجة إني مضيت على ورق يخليني أعيش بنص عمري عشان هو يكمل حياته مرتاح.
كنت ماشية في طرقة المستشفى، كل خطوة بوجع، كل ثانية بحارب عشان أقف، بس قلبي كان بيشدني ناحية أوضة سلوى… كنت عايزة أشوفها، أشوف الفرحة في عين أحمد، اللحظة اللي هحس فيها إن كل ده كان يستاهل. بس اللي سمعته وأنا واقفة قدام الباب
صوت أحمد… بس مش صوته اللي أعرفه، مش صوت الراجل اللي كان بيعيط من شوية… كان صوت مليان حب… حب مش ليا.
"ألف سلامة عليكي يا نور عيني… أخيراً هنعيش حياتنا."
وقتها الزمن وقف… وأنا واقفة زي التمثال، جسمي اتجمد، وقلبي بدأ يدق بطريقة مرعبة… وبعدين صوتها… سلوى… بس مش سلوى اللي كنت بحضنها وبطبطب عليها… كان صوتها مليان خبث:
"ندى دي غلبانة… فاكراني أختك وبتحبني."
والصدمة الأكبر… لما أحمد ضحك… ضحكة باردة… وقاتلة:
"أنا اتجوزتها عشان كليتها… من أول ما شفت التحاليل… كله كان تمثيل."
في اللحظة دي… أنا متكلمتش… مفيش دموع نزلت… مفيش صريخ… كان فيه حاجة واحدة بس… حاجة اتكسرت جوايا ومش هتتصلح تاني.
زقيت الباب بإيدي المرتعشة… دخلت عليهم… ووشي فيه ابتسامة مش بتاعتي… ابتسامة واحدة اتولدت من الوجع.
أحمد اتجمد… سلوى شهقت… وأنا قعدت قدامهم بالعافية… بصيت
"كمّل… ليه سكت؟"
محدش رد… بس الرعب كان واضح في عنيهم… وأنا لأول مرة أشوف أحمد ضعيف بالشكل ده.
عديت لحظة صمت تقيلة… وبعدين ضحكت… ضحكة خلتهم يرتعبوا أكتر.
"عارف يا أحمد؟ أنت فعلاً عبقري… بس غبي."
وشه اتشد… وسألني بتوتر: "إنتي بتقولي إيه؟"
رفعت عيني وبصيتله بثبات:
"أنا سمعت كل حاجة… من أول كلمة لآخر كلمة."
سلوى بدأت تعيط… تمثيل رخيص… نفس التمثيل اللي كنت بصدقه.
لكن المفاجأة… كانت رد فعلي.
ما انهارتش… ما صرختش… بالعكس… وقفت… رغم الألم… وقلت:
"مبروك عليكم… العملية نجحت."
وبعدين لفيت وخرجت… وسايباهم في صدمة أكبر من اللي أنا فيها.
بس اللي هما ميعرفهوش… إن ندى اللي خرجت من الأوضة… مش هي ندى اللي دخلت العملية.
عدى أسبوع… وأنا في البيت… ساكتة… هادية… أحمد كان بيحاول يرجع يمثل… بس أنا كنت سايبه… يسرح… يفرح… يحلم.
لحد اليوم اللي دخلت فيه
"أنا مسافرة."
اتصدم… "مسافرة فين؟!"
قلتله: "برا مصر… عندي عرض شغل… كويس أوي."
طبعاً هو فرح… افتكر إنها فرصته يخلص مني.
لكن الحقيقة… كانت أبعد بكتير.
بعد شهرين… أحمد كان قاعد في شقته الجديدة مع سلوى… بيحتفلوا… لحد ما الباب خبط.
فتح… لقى ظابط… ومعاه ورق.
"أحمد محمود؟ أنت متهم بالنصب والتدليس واستغلال حالة مرضية للحصول على عضو بشري بطريقة غير قانونية."
وشه اصفر… سلوى انهارت… وهو حاول ينكر…
بس التسجيلات كانت موجودة.
أيوه… التسجيلات.
أنا كنت مسجلة كل حاجة… من لحظة دخولي الأوضة.
مش بس كده… أنا كنت بلغت قبل ما أسافر… وسلمت كل حاجة.
مش سافرت عشان أهرب… سافرت عشان أتعالج… وأبدأ حياة جديدة.
أما هما… فبدأوا نهاية عمرهم.
وفي آخر مشهد… وأنا واقفة قدام المراية بعد ما بقيت أقوى… لمست الجرح اللي في بطني… وابتسمت…
"خدتوا مني كلية… بس سبتوا لي قلب…
ومن يومها… ندى مبقتش ضحية… ندى بقت قصة محدش يقدر يكسرها تاني.