قصة حقيقية وقعت في مصر
"عادي يا بابا، يومين وهعدوا"، قالتها وقتها. "يوم الأحد هكون عندك".
الويك إند ما ينفعش يكون تقيل على القلب كده وكأنه عقوبة.
كنت كابس على الدريكسيون لدرجة إن صوابعي ابيضت. الغضب كان طالع في حلقي زي المرارة.. غضب من محمود، ومن أهله، ومن نفسي أكتر حاجة. ليه ما ضغطتش عليها؟ ليه ما سألتش أسئلة أصعب؟ ليه بنربي بناتنا على الأدب والسكوت قبل ما نعلمهم إزاي يحموا نفسهم؟ ليه بنعلمهم ييجوا على نفسهم عشان "البيت يعمر" وما يزعلوش حد؟
الساعة 4:15 الفجر، الـ GPS قالي "وصلت". الحي كان هادي وشيك، الجناين متساوية بالمسطرة، والسكوت فيه تحس إنه مفروض بالعافية. البيت كان فيلا كبيرة ومرعبة في ضلمة الليل، بس كان فيه نور شاحب طالع من ورا الستائر التقيلة في الصالة. المنظر ده خلى دمي يتجمد.. الناس اللي نايمة مابتسيبش نور الصالة قايد الساعة 4 الصباحية.
ركنت ونزلت، الهوا الساقع خبط في وشي فوقني أكتر. صوت جزمتي كان عالي على الرصيف. رحت ناحية الباب وما دوستش على الجرس. الجرس ده للناس
خبطت على الباب الخشب تلات خبطات يهدوا الحيطة، صدى الخبط كان زي ضرب النار في الشارع الهادي. إيدي وجعتني بس ما اهتمتش. مفيش في دماغي غير فكرة واحدة: افتحي الباب.. افتحيه بدل ما أخلعمبقلم .
فضلت واقف دقيقتين.. دقيقتين وأنا باصص من ورا الإزاز المنقوش وشايف خيال بيتحرك جوه. كانوا صاحيين.. كانوا بيتشاوروا.. كانوا بيحاولوا يماطلوا.
وأخيراً، القفل اتحرك.. الباب اتفتح حتة صغيرة، ووقف عند السلسلة. "سعاد" - حماة بنتي - بصت لي. كانت لابسة هدومها كاملة، طرحتها مظبوطة، وشعرها متسرح، كأنها كانت مستنية ضيوف. عينيها كانت زي الحجر، فيها برود يغيظ.
"إحنا أربعة الصبح"، همست بغل. "إيه اللي جابك هنا في وقت زي ده؟"
ما رديتش عليها، مكنتش مستاهلة رد. "افتحي الباب يا سعاد"، قلتها بصوت واطي وناشف. "أنا جاي آخد آمال".
"آمال نايمة"، كذبت. والكدبة كانت طالعة من بوقها مترتبة وزي الفل. "جالها شوية تعب نفسي من شوية.. هي حساسة زيادة. محتاجة
"تعب".."حساسة".. كلمات ناعمة بيحاولوا يغطوا بيها على المصيبة. سمعت الكلام ده كتير في الطوارئ من رجالة مش عايزين يعترفوا باللي عملوه.
"افتحي.. الباب"، كررتها تاني.
سعاد ضمت شفايفها وبصت وراها لحد مش شايفه، وبعدين بصت لي بتعالي وقامت شايلة السلسلة وفاتحة الباب. ما وسعتش لي الطريق بالذوق، فضلت واقفة مكانها عشان أضطر أعدي من جنبها وأنا حاسس بفرض سيطرتها.
دخلت الطرقة، ريحة البيت كانت خليط بين قهوة بايتة وريحة زناخة.. ريحة عرق ومنظفات بيحاولوا يداروا بيها على حاجة حصلت. الجو كان مكتوم، كأن الحيطان حابسة نفسها. عيني خدت على الضلمة بسرعة.. مفيش صور لآمال في الصالة، كله صور لمحمود وهو صغير، ومحمود وهو بيتخرج، ومحمود مع أهله في المصيف. آمال، الزوجة الجديدة، لسه مالهاش مكان في "حكايتهم".
"يا محمود!"، سعاد ندهت بصوت زي الأمر. "تعالى، حماك هنا".
مشيت للصالة والكشاف الحديد في إيدي. البيت كان غالي بس فاضي من جوا..
وهنا شفتها..
آمال كانت في الأرض.
ماكانتش قاعدة على كنبة ولا كرسي.. كانت منكمشة في ركن ضيق بين الكنبة والحيطة، لامة رجليها لصدرها ومخبية وشها بين إيديها، كأنها بتحاول تصغر وتختفي في الحيطة.
"آمال؟"، قلتها والكلمة طالعة زي الدعا.
بصت لي..
الهوا طار من صدري مرة واحدة. وشها كان وارم، والجلد مشدود وبيلمع. عينها الشمال كانت قفلة ولونها أزرق في أسود. شفتها مقطوعة. بس مش الوجع ده اللي وجع قلبي.. اللي وجعني عينيها. كانت مبرقة، زي إزاز مكسور، شكلها أصغر من سنها بكتير، كأنها طفلة عرفت فجأة إن الدنيا غدارة ولسه ماعرفتش مين اللي هيحميها بقلم منــال عـلـي
"بابا؟"، همست بصوت يدوب يتسمع.
نزلت على ركبي في الأرض، مابقتش حاسس بتعب ولا سن، وزحفت ناحيتها: "أنا هنا"، قلتها وصوتي بيترعش غصب عني. "أنا هنا يا حبيبة