اليوم اللي باهر رمى فيه هنا في الشارع
اليوم اللي باهر رمى فيه "هنا" في الشارع.. كان اليوم اللي اتكتب فيه نهايته بإيده، من غير ما يفهم.
وقفت "هنا" تحت المطر، هدومها بتلزق في جسمها، وابنها الصغير بيعيط بين إيديها، بس عينيها كانت ثابتة بشكل يخوّف.. مش مكسورة، ولا ضعيفة، بالعكس.. كانت فيها حاجة غريبة، حاجة تشبه الهدوء اللي بييجي قبل العاصفة.
مسحت الطين عن الغويشة، وبصت لها لحظة، وكأنها بتسترجع سنين كاملة في ثانية واحدة.. تلات سنين عاشتهم وسط ناس فاكرينها ولا حاجة، تلات سنين بتاكل من إهانة ورا إهانة، وبتسكت، وتبتسم، وتقول لنفسها: "لسه بدري".
لكن اللحظة دي كانت النهاية.
دوست على الزرار الصغير، ورفعت راسها.
خمس دقايق.. بس خمس دقايق كانوا كفاية يقلبوا الدنيا فوق دماغ باهر.
صوت الطيارة قطع سكون المكان، والجيران فتحوا الشبابيك، والأبواب اتفتحت، والناس خرجت تشوف إيه اللي بيحصل.
باهر خرج وهو متضايق:
"في إيه؟ مين اللي جايب دوشة دي هنا؟"
لكن صوته اتغير أول ما شاف الهليكوبتر بتنزل قدام الفيلا بالظبط.
الحرس نزلوا الأول، صفّوا صفين، وبعدهم نزل الراجل العجوز، بخطوات ثابتة، وهيبة تخلي أي حد يسكت غصب عنه.
قرب من "هنا"،
"آسفين على التأخير يا فندم.. تم تأمين المكان بالكامل."
سكتت لحظة، وبصت لباهر.
كان واقف، مش فاهم، وشه أصفر، عينيه بتلف بين الطيارة والحرس وبينها.
"هنا؟ إيه ده؟ إيه اللي بيحصل؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لأول مرة من سنين.. ابتسامة ما فيهاش ضعف.
"اللي بيحصل؟ الحقيقة يا باهر إن اللي حصل دلوقتي هو مجرد بداية."
مونيكا حاولت تتكلم، بس صوتها طلع مهزوز:
"إنتي.. إنتي مين أصلاً؟"
هنا رفعت الغويشة قدام عينيها، الطين لسه عليها، لكنها بتلمع بطريقة غريبة.
"دي؟ دي مش زينة.. دي ختم."
وبصت للحارس:
"هات الملف."
في ثواني، ملف أسود اتفتح قدام باهر، أوراق كتير، خرائط، عقود.
"الفيلا اللي إنت واقف فيها.. مش بتاعتك."
باهر اتجمد:
"إيه؟"
"ولا الأرض اللي حواليها.. ولا الشارع.. ولا الكومباوند كله."
مونيكا اتراجعت خطوة:
"إنتي بتقولي إيه؟!"
"بقول الحقيقة اللي كنتوا عايشين فيها من غير ما تعرفوها.. كل ده ملكي."
سكتت لحظة، وسيبت الكلمات تنزل عليهم زي الصاعقة.
"وأنا اللي كنت ساكنة فيه، كنت ساكنة في ملكي.. بس كنت مستنية أشوف.. مين اللي هيشوفني أنا، ومين اللي هيشوف الحاجة التانية."
باهر حاول
"هنا.. استني.. إحنا ممكن نتفاهم—"
رفعت إيدها بس، وسكت.
"متقربش."
الصوت كان هادي.. لكن فيه قوة خلت رجله تثبت مكانها.
"فاكر أول يوم قلتلي فيه إني جاية من تحت الصفر؟ فاكر لما قلت إني ولا حاجة؟"
بلع ريقه، ومردش.
"أنا فعلاً جيت من تحت.. بس مش زي ما إنت فاكر.. أنا اخترت أبدأ من تحت."
لفت حواليها، وبصت على الجيران اللي واقفين يتفرجوا.
"الاختبار خلص."
رجعت تبص له تاني.
"وإنت سقطت."
مونيكا حاولت تتمسك بأي حاجة:
"طيب حتى لو.. إحنا نقدر—"
"إنتي بالذات.. حسابك مختلف."
إشارة صغيرة من هنا، والحرس قربوا منها.
"اللي إنتي عملتيه مش مجرد كلام.. في تسجيلات.. وفي شهود."
وشها شحب:
"تسجيلات؟!"
"آه.. كل حاجة كانت بتتسجل.. كل كلمة.. كل تصرف."
باهر بقى بيتنفس بسرعة:
"هنا.. أنا كنت متعصب.. كنت تحت ضغط—"
ضحكت ضحكة خفيفة، بس كانت موجعة.
"ضغط؟ إنت كنت بتكشف نفسك.. بس."
بصت للراجل العجوز:
"ابدأ التنفيذ."
في أقل من دقيقة، عربية فخمة وقفت، وناس تانية نزلت، معاهم أوراق رسمية.
"بناءً على الملكية، يتم إخلاء المكان فوراً."
باهر صرخ:
"إخلاء؟! ده بيتي!"
الرد كان بارد:
"كان."
بدأ الحرس
هنا شالت ابنها، وبصت له.
"شايف؟ ده الفرق بين اللي يبني نفسه على الحقيقة، واللي يبني نفسه على وهم."
قرب خطوة، صوته اتكسر:
"أنا غلطت.. اديني فرصة—"
هزت راسها بهدوء.
"أنا اديتك تلات سنين."
سكت، ومبقاش عنده كلام.
لفت عشان تمشي ناحية الطيارة، وبعدين وقفت لحظة، من غير ما تبص له:
"أول قرار؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"إنك تتعلم تعيش من غير ما تدوس على حد."
ركبت الطيارة، والأبواب اتقفلت، والمراوح بدأت تدور.
باهر واقف في الشارع، زي ما كان واقفها من شوية.. بس الفرق إن المرة دي، هو اللي لوحده.
المطر نزل تاني.
بس المرة دي.. مفيش حد ماسك بإيده.
الطيارة ارتفعت ببطء، والهوا اللي طلع من مراوحها كان بيخبط في وش باهر كأنه صفعة متأخرة… صفعة مستحقة.
واقف في الشارع، هدومه شيك، بس شكله مهزوز، ضايع، كأن الأرض اتسحبت من تحته فجأة. مونيكا كانت بتصرخ وبتجري ورا الموظفين اللي بيشيلوا الحاجات من الفيلا، بس محدش كان بيسمع لها. كل حاجة كانت بتحصل بسرعة مرعبة… سرعة تليق بواحدة زي "هنا" لما تقرر تنهي فصل كامل من حياتها.
أما "هنا"، فكانت قاعدة جوه