اليوم اللي باهر رمى فيه هنا في الشارع
الراجل العجوز قعد قدامها وقال بهدوء:
"جلالة والدك رفض يتدخل طول الفترة اللي فاتت… كان شايف إنك لازم تعيشي التجربة كاملة."
هنا ابتسمت ابتسامة خفيفة:
"وأنا كنت محتاجة ده."
بصت لابنها، مسحت على وشه الصغير:
"كنت محتاجة أعرف مين يستاهل يكون في حياتي… ومين لأ."
"والنتيجة؟"
سكتت لحظة… وبعدين قالت:
"واضحة."
الطيارة وصلت لقصر ضخم على أطراف المدينة… مكان شبه الحكايات، بوابات حديد تقيلة، حراسة مشددة، وحدايق واسعة لدرجة إنك ممكن تمشي فيها ساعات.
أول ما نزلت، صف كامل من العاملين وقفوا بانحناءة احترام.
لكن "هنا" ما اهتمتش بالمظاهر دي… كانت ماشية بخطوات ثابتة، كأنها راجعة لمكان تعرفه كويس… بس بوش جديد.
دخلت القصر… وكل زاوية فيه كانت بتحكي عن حياة مختلفة تمامًا عن اللي عاشتها آخر تلات سنين.
وفجأة… وقف قدامها راجل كبير في السن، لكن هيبته تسبق خطواته.
عيونهم اتقابلت.
لحظة صمت.
وبعدين ابتسم وقال:
"رجعتي."
هنا قربت منه، لأول مرة عينيها لمعت بدمعة حقيقية:
"رجعت."
فتح دراعه، … تقيلة، فيها خوف قديم واطمئنان متأخر.
"تعبتي؟"
ردت بصوت واطي:
"اتعلمت."
بعد شوية، كانت قاعدة في مكتب ضخم، قدامها ملفات، أرقام، شركات، استثمارات… عالمها الحقيقي اللي كانت سايباه بإرادتها.
الراجل العجوز قال:
"في شغل كتير متراكم… بس في حاجة لازم تتقرر الأول."
رفعت عينيها:
"إيه؟"
"ملف باهر."
سكتت.
الاسم لوحده كان كفيل يرجع صور كتير… صوت، مواقف، إهانات، لحظات ضعف… وكمان لحظات كانت فاكرة إنها حب.
"كل حاجة تحت إيدك… تدمير كامل، أو تجاهل تام."
سندت ضهرها، وغمضت عينيها لحظة.
"هو دلوقتي فين؟"
"اتطرد من الفيلا… حساباته اتجمدت… وشغله بدأ يقع… الناس اللي حواليه بدأت تبعد."
فتحت عينيها.
"يعني الدنيا
"أحيانًا."
قامت من مكانها، ومشيت نحية الشباك الكبير.
"أنا مش محتاجة أنتقم."
سكتت لحظة… وبعدين كملت:
"بس لازم يتعلم."
في نفس الوقت… باهر كان قاعد في شقة صغيرة، بعيدة كل البعد عن حياته القديمة. مفيش خدم، مفيش رفاهية، مفيش حد حواليه.
التليفون ساكت.
الناس اختفت.
حتى مونيكا… سابته أول ما الدنيا اتقلبت.
كان باصص في المراية… مش شايف غير واحد غريب.
وفجأة… تليفونه رن.
رقم غريب.
رد بتردد:
"ألو؟"
الصوت كان رسمي:
"في عرض شغل ليك… لو حابب تبدأ من جديد."
اتنهد:
"أي شغل؟"
"موقع تابع لمجموعة كبيرة… محتاج مدير ميداني."
سكت لحظة… وبعدين قال:
"موافق."
مقالش لأ… لأنه مكنش عنده رفاهية الرفض.
تاني يوم، وقف في موقع شغل… هدوم بسيطة، شمس حارقة، أوامر بتتقال له مش بيقولها.
ولأول مرة… حس يعني إيه يبدأ من تحت بجد.
في القصر… "هنا" كانت
الراجل العجوز سألها:
"تحبي نوقف ده؟"
هزت راسها:
"لا."
"ليه؟"
بصت للشاشة، عينيها هادية:
"عشان دي أول مرة يعيش الحقيقة."
سكتت لحظة… وبعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة:
"وأنا كمان… دي أول مرة أعيشها من غير ما أستخبى."
عدت أيام… وبعدين أسابيع.
باهر اتغير… التعب ظهر عليه، لكن كمان في حاجة تانية ظهرت… هدوء غريب، واستيعاب.
وفي يوم… وهو واقف بيشتغل، عربية فخمة وقفت قدامه.
بابها اتفتح.
نزلت "هنا".
نفسها… بس مش نفس الشخص.
وقف مكانه… قلبه دق بسرعة.
قربت منه… بصت له من غير غضب… ولا ضعف.
"إزيك يا باهر."
بلع ريقه:
"أنا… أنا اتغيرت."
هزت راسها:
"شايفة."
سكت… وبعدين قال:
"أنا فهمت متأخر."
ردت بهدوء:
"المهم إنك فهمت."
لفت تمشي… لكنه قال بسرعة:
"في فرصة؟"
وقفت لحظة… من غير ما تبص له.
"في فرصة… لنفسك."
وسابته.
المرة
بس الفرق… إنها مشت وهي مش شايلة أي وجع.
وهو فضل واقف… مش مكسور زي الأول… لكن بيتعلم، خطوة خطوة، إزاي يبقى إنسان حقيقي… مش مجرد اسم كبير على ورق.