قصة حدثت في السعوديه

لمحة نيوز


مصفف بعناية ورائحته عطر ثقيل. نظر حوله ثم سأل بصوت واثق
أين الفتى صاحب أرض الكهف
شعرت أن الدم يصعد إلى رأسي. قلت
أنا.
ابتسم ابتسامة مصقولة.
أنا ممثل لشركة كوربوراتيفو تيتان. نريد أن نحسن عرضنا. مئتا ألف بيزو.
كان الرقم كافيا ليوقظ داخلي الطفل الذي كان يحلم بأبسط الأشياء غرفة آمنة طعام دائم سرير لا يسلب. لكنني لم أعد ذلك الطفل وحده. كنت أيضا الرجل الذي رأى الماء يتدفق في جوف الجبل.
سألته
لماذا هذا الاهتمام
ثبت نظره في عيني ثانية واحدة ثم التف إلى كلام عام استثمار تخطيط طويل الأمد فرص مستقبلية. الكلمات كانت كثيرة لكن الحقيقة كانت غائبة.
عدت تلك الليلة إلى دفتر جدي وقرأته من جديد. في الصفحات الأخيرة كان قد كتب بوضوح أشد
سيأتون يوما من أجله. سيقولون إنه بلا قيمة. لا تصدقهم.
شعرت كأن جدي كان يتوقع كل خطوة كأن الزمن لم يكن يربكه. وأنا كنت فجأة أحتاج إلى شخص يفهم العلم أكثر مني. أنا لم أكن خبيرا بمياه جوفية ولا بأحواض مائية. كنت مجرد شاب خرج من نظام لا يعلمك إلا البقاء.
قررت أن أطلب المساعدة.
هكذا تعرفت إلى الأستاذة إيميليا توريس عالمة أحياء متقاعدة كانت تعيش في القرية بعد سنوات عمل في الجامعة. كانت امرأة في عمر لا يسمح لها أحد أن ترفع صوتها بسهولة لكن في عينيها ذكاء لا يشيخ. حين أخبرتها بما وجدت شكت في البداية. قالت إن كثيرين يبالغون وإن الينابيع قد تكون موسمية. لكنها وافقت أن تراها بنفسها.
دخلت

معي الكهف. وقفت أمام النبع ركعت لمست الماء ثم رفعت رأسها وعيناها تغيرتا.
قالت بصوت منخفض وكأنها تخشى أن يسمع الجبل نفسه
هذا غير معتاد.
ثم بدأت تتحدث بلغة العلماء نقاوة طبقات صخرية حماية طبيعية احتمال اتصال بحوض مائي كبير. أخذت عينات وضعتها في قوارير وطلبت وقتا للتحليل.
مرت أسابيع ثم أشهر. عملنا معا بصبر. وأنابينما كنت أتعلم معهاكنت أتعلم شيئا آخر أن القيمة ليست ما يكتبه موظف في ورقة تقييم بل ما يحفظ حياة الناس.
عادت الشركة مرة أخرى. هذه المرة كان العرض نصف مليون. وبدأت نبرة الرجل تفقد نعومتها.
قال
هذا أكثر مما يستحقه هذا المكان.
نظرت إليه وقلت
بل هو يستحق أكثر مما تتخيل.
وحين رأيت نفاد صبره فهمت. هم لا يريدون الأرض لأنها لا شيء. هم يريدونها لأنها شيء كبير يريدون الماء.
بدأت التفاصيل تتكشف استخراج تعبئة بيع. كمية كبيرة تكفي لتربحهم الملايين. لكنني كنت أقرأ دفتر جدي وأفكر إذا أخذوا الماء بهذه الطريقة سيجف النبع. ستبقى الصخور وسيموت كل شيء حولها.
كنت قد جئت من نظام يعلمك أن تحمي نفسك فقط. لكن الكهف علمني أن بعض الأشياء لا تحمى إلا إذا حميت الآخرين معها.
قلت للأستاذة إيميليا إنني لا أريد البيع. فقالت إذن عليك أن تحميه بالقانون لا بالمشاعر.
بدأنا نتواصل مع أهل القرية. المزارعون الذين يعرفون معنى العطش أكثر مني فهموا بسرعة. في البداية خاف بعضهم من مواجهة شركة كبيرة. لكن حين شرحت لهم إيميليا بلغة
بسيطة أن هذا النبع قد يكون سبب حياة لسنوات تغيرت الوجوه.
لم يكن الطريق سهلا. جاءت ضغوط. مكالمات مجهولة. زيارات لطيفة تحمل تهديدا بين الكلمات. قالوا لي إنني صغير وإنني لا أفهم وإن المال فرصة لا تعوض. وأحيانا حين كنت وحدي في الليل كان الخوف يقترب مني كظل طويل. أنا شاب بلا أهل من سيقف معي لو قرروا أن يسحقوني
لكنني لم أعد وحدي كما كنت أظن. القرية بدأت تقف. الأطفال الذين يركضون حفاة النساء اللواتي يملأن الجرار الرجال الذين يخرجون للفجر صاروا يرون في الكهف شيئا لهم أيضا.
بعد عام من وصولي بصندوق كرتوني ومفتاح صدئ تم الإعلان رسميا عن الأرض كمحمية مائية محلية. حين سمعت القرار شعرت أنني لا أصدق. الدولة التي دفعتني يوما خارج النظام كأنني عبء اضطرت الآن أن تسجل اسمي في وثيقة حماية.
عرضت الحكومة اتفاقا تمويل بنية بسيطة لقنوات ماء تصل إلى القرية مقابل تنظيم صارم يمنع الاستغلال التجاري. وافقت بشرط واحد أن يبقى القرار مجتمعيا لا بيد شركة ولا بيد مسؤول يأتي ويذهب.
أعيد ترميم الكوخ. لم يتحول إلى قصر ولا إلى حلم مزيف. صار مركزا صغيرا للتوعية البيئية يأتيه طلاب ليتعلموا كيف تحفظ المياه وكيف تدار الموارد. علقنا خرائط وضعنا لوحات تعليمية وصار المكان الذي وصفوه بأنه لا قيمة له مكانا يقصده الناس بفضول واحترام.
وأنا
أنا الذي خرجت من دار الأيتام بصندوق وورقة تعريف بدأت أجد شيئا يشبه البيت.
ليس البيت جدرانا جديدة أو
أثاثا فاخرا بل مكان لا تخاف فيه من أن يقال لك اخرج. مكان لا تعامل فيه كضيف ثقيل. مكان يشبهك ولا يعتذر عن وجوده.
في يوم الافتتاح الرسمي امتلأ المكان بأهل القرية. الأطفال يركضون ويضحكون والرجال يتحدثون بفخر والنساء يملأن القوارير من الماء الذي أصبح حقا لا صدفة. كانت الأستاذة إيميليا تقف بجانبي وحين انتهت الكلمات الرسمية والتهاني التفتت إلي وعيناها تلمعان وقالت
كان جدك سيفخر بك.
هذه الجملة وحدها كانت تعويضا عن سنوات لم أسمع فيها كلمة فخر واحدة تقال لي.
في تلك الليلة دخلت الكهف وحدي. لم أحمل سوى المصباح والدفتر. جلست قرب النبع واستمعت إلى خرير الماء كما لو أنه صوت يقرأ ما بين السطور. أخرجت الدفتر وقلبت صفحاته التي صارت الآن جزءا من تاريخي ثم كتبت في آخر صفحة
يا جدي لم أبع الكهف. حولناه إلى حياة.
وتوقفت لحظة قبل أن أضيف سطرا آخر لأنني أدركت فجأة أن القصة ليست قصة ماء فقط.
إنها قصة شخص قيل له إنه بلا قيمة ثم وجد ما يجعله قيمة للآخرين.
بدأت رشدي بصندوق ملابس مستعملة ومفتاح صدئ.
واليوم أملك ما هو أثمن من مئة ألف ومن نصف مليون ومن أي عرض آخر.
أملك إرثا.
الناس كانوا يقولون إنني ورثت شيئا عديم الفائدة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تماما.
لقد ورثت كهفا.
وفي داخله وجدت عائلة من نوع آخر أناسا لا تربطني بهم الدماء بل تربطني بهم الحياة.
وجدت هدفا لا يشترى.
واكتشفت أن البدء من الصفر لا يعني البدء بلا شيء
بل يعني
أن تبدأ بما هو الأهم حقا ثم تبني عليه كل شيء.

 

تم نسخ الرابط