أنقذت خياطة طفلين توام
بص لنادية بذهول وعرفتي منين؟. نادية ردت وهي بتلم شعرها وبتلبس طرحتها بقوة أنا نادية الخياطة يا سليم بيه، أنا اللي كنت بخيط لستات الحارة كلهم وأعرف دبة النملة في الدرب الأحمر.. اركب العربية، والمرة دي أنا اللي هسوق بيك الدنيا.
وصلوا الحارة في وقت قياسي، الدنيا كانت ليل والسكوت مالي الشوارع. نادية وسليم نزلوا ومعاهم عدد قليل من الحرس عشان ميعملوش شوشرة. نادية مشت في السكك الضيقة اللي حافظاها زي كف إيدها، لحد ما وصلوا للمخزن. سليم كان لسه هيهجم على الباب، بس نادية مسكت إيده وهمست لو دخلت من الباب هيخلصوا عليها.. فيه فتحة تهوية من فوق السطوح بتاع المحل بتاعي القديم، المخزن لازق فيه.. أنا هطلع، وأنت خلي رجالتك يلفوا من ورا.
سليم بص لها بخوف أنتي هتعملي إيه؟ ده خطر عليكي!. نادية ابتسمت نص ابتسامة وقالت له دي بنتي يا سليم.. والقطة لما حد بيقرب من عيالها بتاكل عينه.
نادية طلعت السلم الخشب بتاع محلها القديم، ووصلت للسطح، ونطت بخفة لسطح المخزن. بصت من فتحة التهوية، لقت لجين مربوطة في كرسي، وعاصم واقف قدامها بيشرب سيجارة وبكل برود بيمضي ورق على التربيزة، وبيقول لواحد من رجاله أول ما سليم يوصل ويمضي على التنازل، البنت دي تتاخد وتتسفر بره.. مش عايز أشوف وشها تاني في مصر.
نادية حست بنار في
صدرها، شافت جنبها جركن بنزين قديم كان بتاع صاحب المخزن، وحتة
النار ولعت فجأة، والرجالة اتخضوا واتلبخوا، وفي اللحظة دي سليم كسر الباب ودخل هو وحرسه وسط الدخان. نادية منزلتش من السلم، دي نطت من فوق المواسير زي التباعين الشطار، ونزلت فوق عاصم قبل ما يرفع مسدسه، غرزت مقصها الصغير اللي دايما في جيبها في كتفه، وصرخت بنتي لا يا عاصم!.
سليم خلص على الباقي وفك لجين وهي بتترعش، وعاصم وقع في الأرض وهو بيصرخ من الوجع والغل. الشرطة وصلت وحاصرت المكان، والمرة دي عاصم ملقاش مهرب، التلبس والخطف والورق المزور كله بقى ضدك.
بعد يومين، في جنينة القصر، الشمس كانت طالعة دافية. نادية قاعدة على كرسي هزاز، وماسكة في إيدها فستان فرح جديد بتطرزه، بس المرة دي مش عشان حد غريب، ده كان فستان صغير ل ليلى عشان حفلة المدرسة. سليم قرب منها ومعاه كوبايتين شاي بمرامية، وقعد على الأرض تحت رجليها.
سليم بص لها وقال بهدوء نتيجة التحليل طلعت.. البنات بناتي رسمي يا نادية. نادية وقفت الإبرة وبصت له، وعينيها دمعت مبروك يا سليم بيه.. كدا أمانتي وصلت لصحابها.
سليم مسك إيدها وقال لها الأمانة عمرها ما تخرج من إيد صاحبها.. أنا كتبت القصر ده والمصنع باسمك وباسم البنات بالتساوي.
مفيش حد صاحب فضل على حد هنا،
نادية رفعت حواجبها طلب إيه؟.
سليم ضحك عايزك تفتحي غرزة حب تاني، بس مش في الدرب الأحمر.. عايزك تفتحي أكبر دار أزياء في مصر، ويبقى شعاره الأمومة مش بس دم.. الأمومة غرزة حب بتدفي في عز البرد.
نادية ضحكت من قلبها، ولجين وليلى جريوا عليهم وهما بيضحكوا، والشمس نورت وشوشهم كلهم.. نادية بصت للسما وحمدت ربنا، لأن الخيط اللي بدأ بدمعة في ليلة برد، انتهى بتوب فرح مبيخلصش.
بعد شهر، الحلم بقى حقيقة. يافطة ضخمة ومتعلق عليها نور أبيض هادي مكتوب عليها دار نادية غرزة حب، في أرقى شوارع القاهرة. الافتتاح كان أسطوري، نادية واقفة في نص الصالة، لابسة فستان أسود بسيط بس شياكته تخطف العين، ملامحها اللي كانت محفورة بالشقاء بقت منورة بالراحة، والمازورة لسه حوالين رقبتها، كأنها بترفض تتنازل عن أصلها مهما الدنيا عليت بيها.
ليلى ولجين كانوا زي الملايكة بفساينهم المنفوشة، بيجروا بين المانيكانات اللي شايلة أرقى الموديلات. وسليم واقف بعيد، باصص لنادية بفخر ملوش حدود، هو مش بس لقى بناته، هو لقى الروح اللي كانت ناقصة حياته كلها.
فجأة، وسط الزحمة والتهاني، نادية لمحت ست غلبانة واقفة بعيد، خايفة تدخل السجاد الغالي برجليها. الست كانت شايلة طفل صغير ملفوف في بطانية مهلهلة. نادية سابت الناس والمديرين، ومشت بكل هيبتها لحد ما وصلت للست،
مسكت
الست قالت بصوت واطي يا ست هانم، أنا سمعت إنك طيبة وبتحسي بالناس.. أنا الخياطة بتاعتي انكسرت ومش عارفة أصلحها، ومليش رزق غيرها. نادية ابتسمت، والدموع لمعت في عينيها لأنها شافت نفسها من عشر سنين. نادت على سليم، وقالت له بصوت سمعه الكل
يا سليم بيه، أول غرزة في الدار دي لازم تكون للناس اللي شبهنا. الدور التاني من الدار مش هيكون للعرض، هيكون مدرسة خياطة مجانية لكل ست عايزة تستر بيتها، وأول مكنة هدية للست دي.. عشان غرزة حب مش اسم للمحل، ده عهد بينا وبين ربنا.
سليم هز راسه بالموافقة وهو مبهور بقوة الست دي اللي الفلوس مغيرتهاش، بل زادتها معدن أصيل.
وفي ليلة الافتتاح، بعد ما الناس مشيت، نادية قعدت على الأرض في نص المحل، لمت لجين وليلى وسليم قعد جنبهم. الدنيا بره كانت بتمطر، نفس صوت المطر اللي بدأ معاه كل حاجة. نادية بصت لسليم وقالت له بوشوشة تفتكر هيسامحونا؟.
سليم استغرب مين دول؟.
نادية بصت للسما أبوهم وأمهم اللي في الحقيقة.. الممرضة اللي رمتهم، والظروف اللي سرقتهم.
سليم قال بيقين هما دلوقتي في أحسن مكان ممكن يكونوا فيه.. هما في قلب نادية، وده أدفى مكان في الدنيا.
نادية غمضت عينيها وهي حاسة إن الخيط كمل، وإن الغرزة اللي بدأتها في ليلة برد، قفلت النهاردة على أحلى توب.. توب العيلة اللي مبيتقطعش