وهي عندها 76 سنه
وهي عندها 76 سنة، اتذلّت في بيتها… وكل حاجة اتقلبت فجأة لما اكتشفت الحقيقة
أنا اسمي مديحة عبدالسلام، أرملة من 8 سنين، والبيت ده هو كل حياتي. كل حيطة فيه شايلة ذكرى، وكل قطعة عفش بتحكي عن تعب وسنين عشتها مع جوزي الله يرحمه.
ابني الوحيد، أحمد، اتخطب لبنت اسمها سمر. شيك ولبقة قدام الناس، لكن لما كنا بنبقى لوحدنا، كان في حاجة في نظراتها بتتغير… حاجة مريحةش.
لما جم يقعدوا عندي مؤقتًا عشان شقتهم فيها تصليحات، وافقت من غير تفكير. كنت فاكرة إني بساعد، لكن واحدة واحدة حسّيت إني بقيت غريبة في بيتي.
سمر بقت تنتقد كل حاجة: طريقتي، أكلي، حتى صور العيلة. كانت بتتكلم بأدب، بس كلامها كان بيسيب إحساس بارد كده… زي جرح صغير بس مستمر.
تعليقاتها بقت أوامر متغلفة بكلام شيك: "يا مديحة، ياريت متسيبيش حاجتك كده" "هيبقى أحسن لو تبعدي عن المطبخ وأنا بطبخ" وكلمة "أحسن" كان معناها الحقيقي: إني ماليش مكان.
في يوم، أحمد نزل يخلص شوية ورق، وسمر فضلت معايا لوحدنا… وكانت ماشية في الصالون بعصبية بعد مكالمة تليفون شكلها كان مش مريح.سمر كانت ماشية في الصالون رايح جاي، ماسكة الموبايل بإيدها وبتعض شفايفها. أول ما لاحظت إني ببص لها، ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقالت:
"معلش يا طنط مديحة… كنت بخلص مكالمة مهمة."
هزّيت راسي وسكت، لكن جوايا كان في قلق غريب. فجأة وقفت قدامي، وبصّت لي نظرة جامدة عمري ما شوفتها قبل كده.
"ممكن نتكلم بصراحة؟"
قولت
قربت خطوة… واتنين… لحد ما بقت واقفة قدامي بالظبط، وقالت بنبرة حادة: "البيت ده بقى ليه نظام جديد… وأنا مش مرتاحة بوجودك بالشكل ده."
حسّيت الكلام نزل عليّ زي الطوبة. حاولت أستوعب: "يعني إيه مش مرتاحة؟ ده بيتي…"
قاطعتني بسرعة: "كان بيتك… دلوقتي أنا وأحمد اللي هنعيش فيه. ولازم كل واحد يعرف مكانه."
سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدم يجمد في عروقي: "ولو عايزة تفضلي هنا… يبقى تمشي على كلامي."
حسّيت بإهانة عمري ما حسّيتها. صوتي كان بيترعش: "وأنا أسمع كلامك في بيتي؟!"
ابتسمت ابتسامة باردة، وقالت: "جربي تعاندي… وشوفي أحمد هيقف مع مين."
في اللحظة دي، الباب اتفتح… وأحمد دخل.
بصّيت له بسرعة، وقلبي متعلق بكلمة منه تنصفني. "أحمد… مراتك بتقول—"
لكنه قاطعني بنبرة متوترة: "ماما… خلينا نهدى ونحل الموضوع بالعقل."
لفّت سمر ناحيته وقالت بدلع مصطنع: "أنا بس عايزة شوية احترام وتنظيم يا أحمد… مش أكتر."
سكت أحمد لحظة… وبعدين بص لي وقال الجملة اللي كسرتني: "ماما… ممكن تسمعي كلام سمر شوية؟ عشان الدنيا تمشي."
حسّيت الأرض بتهتز تحت رجلي. ابني… اللي ربيته… بيطلب مني أتنازل في بيتي.
قبل ما أرد، سمر قالت فجأة: "بما إننا بنتكلم عن الاحترام… أنا عايزة دلوقتي حالًا تثبتي إنك هتلتزمي."
وبصّت لي نظرة متحدية، وقالت: "اركعي… واعتذري."
ساعتها الزمن وقف.
بصّيت لأحمد… مستنية منه يرفض، يصرخ، يعمل
بطّلت أحس بأي حاجة… غير وجع كبير جوايا.
وببطء… نزلت على ركبتي.
لكن وأنا على الأرض… عيني جات على الموبايل اللي واقع من إيد سمر على الكنبة… وكان لسه مفتوح… على تسجيل صوتي شغال.
صوت راجل بيقول بوضوح: "أول ما تكتبي البيت باسمك… نطردها هي وابنها… ونبيعه."
اتجمدت مكاني.
رفعت عيني بصيت لسمر… كانت وشها اصفر فجأة.
مدّيت إيدي بالموبايل… وشغّلت الصوت أعلى.
أحمد اتلفت ناحيتها بصدمة: "إيه ده؟!"
سمر حاولت تخطف الموبايل، لكني مسكته جامد… ووقفت على رجلي رغم وجعي.
بصّيت لابني… وقلت بهدوء مخيف: "دي الحقيقة اللي كنتي عايزة تخبيها؟"
أحمد رجع خطوة لورا، وملامحه اتبدلت تمامًا. "انتي… كنتي ناوية تعملي كده؟!"
سمر بدأت تتلخبط: "لا… لا يا أحمد… ده سوء تفاهم—"
لكنه صرخ فيها لأول مرة: "تسكتي!"
سكتت… والهدوء بقى تقيل في المكان.
قرب مني أحمد، وعينه فيها دموع: "حقك عليا يا ماما… أنا كنت أعمى."
بصّيت له، وقلبي موجوع… بس واقفة.
لفّ على سمر وقال ببرود: "تلمي حاجتك… وتمشي حالًا."
سمر حاولت تتكلم، لكنه أشار لها تسكت.
بعد ساعة… كانت خرجت من البيت.
البيت رجع هادي… بس أنا ما رجعتش زي الأول.
أحمد قعد قدامي وقال: "سامحيني."
بصّيت له طويل… وقلت: "السماح سهل… بس الكرامة لما بتتكسر… صعب ترجع زي الأول."
وسبته وقمت… دخلت أوضتي، وقفلت الباب.
لأول مرة في حياتي… حسّيت إن بيتي رجع لي… بس بعد ما دفعت تمن غالي.قفلت
قعدت على السرير، وبصّيت حواليّا… نفس الأوضة، نفس الحيطة، نفس الصور… بس أنا مش نفس الست اللي كانت قاعدة هنا من ساعات.
بعد شوية، سمعت خبط خفيف على الباب.
"ماما… ممكن أدخل؟"
سكت لحظة… وبعدين قلت بهدوء: "اتفضل."
دخل أحمد، وشه مكسور، عينه حمرا. أول مرة أشوفه بالشكل ده من وهو طفل.
قعد قدامي، وقال بصوت واطي: "أنا مش عارف أبدأ منين… بس أنا غلطت في حقك غلطة كبيرة."
بصّيت له من غير كلام.
كمل وهو بيحاول يمسك دموعه: "أنا كنت شايفها صح… أو يمكن كنت عايز أشوفها صح… عشان مكنتش عايز أعترف إني اخترت غلط."
سكت، وبعدين قال: "بس اللي عملته النهارده… إني سكت… ده أكبر ذنب."
قلت له بهدوء: "السكوت ساعات بيبقى أقسى من الكلام."
نزل راسه، وقال: "اعمل إيه عشان تصلحي اللي اتكسر؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة… فيها تعب أكتر من الفرح: "في حاجات يا أحمد… لما بتتكسر، مش بتتصلّح… بس ممكن نتعلم نعيش معاها."
سكتنا شوية… وبعدين قلت: "أنا محتاجة وقت."
هزّ راسه بسرعة: "خدي كل الوقت اللي انتي عايزاه… بس متبعديش عني."
ما رديتش… بس عيني كانت كفاية.
عدّى أسبوع…
البيت بقى أهدى بكتير. مفيش صوت خطوات متوترة، ولا تعليقات جارحة. أحمد بقى يحاول يعوض… يساعد، يقعد معايا، يسألني حتى على حاجات بسيطة.
بس في مسافة لسه بينّا… مسافة مش بالكلام بس تتقفل.
في يوم، دخل عليّ وهو ماسك ملف.
"ماما… أنا عملت حاجة… وعايزك تشوفيها."