حصل زوجي السابق علي الحضانة
يتسلل خافتًا من خلف النافذة.
وعندها جاء الصباح.
استيقظ الصباح مثقلًا.
هذه المرة، لم يكن الخوف وحده ما يضغط على صدري، بل إحساس ثقيل بأن كل ما خفي لسنوات بدأ ينكشف دفعة واحدة.
كانت سارة داخل غرفة العمليات.
وذلك الرجل يستعد للتبرع.
أما أنا، فجلست في الممر، أتشبث بالدعاء كأنه الحبل الأخير الذي يمنعني من السقوط.
وفجأة ظهر هو.
مرتضى.
لم يكن حضوره عاديًا.
دخل بذات النظرة التي عرفتها طويلًا برود قاسٍ، سيطرة لا تعرف الرحمة، وغضب مكتوم يتربص بكل شيء.
اقترب بخطوات حادة، وقال دون تمهيد
يبدو أنكِ لم تتعلمي شيئًا حتى بعد أن أخذتُ الحضانة منكِ.
رفعتُ عيني إليه هذه المرة ولم أنكسهما.
قلت بهدوءٍ متعب
الأمر لم يعد بيني وبينك ابنتنا بين الحياة والموت.
ابتسم ابتسامة باردة، وقال بسخرية لاذعة
ابنتنا؟ أم ابنة رجلٍ آخر؟
كانت كلماته كالسهم لكنها لم تفاجئني.
لقد علم.
لكن ما صدمني حقًا أنه لم يهتز، لم يحزن، لم يتردد بل ازداد قسوة.
اقترب أكثر، وخفض صوته
هذه الحقيقة ستدمّر كل شيء وستدمّركِ أنتِ قبل أي أحد. المحكمة لن ترحمكِ هذه المرة.
نظرت إليه طويلًا، ثم قلت بثبات
الحقيقة التي ظهرت لم تكن بإرادتي والخطأ ليس مني بل من المستشفى.
لكنه لم يكن يبحث عن الحقيقة بل عن ذريعة.
قال
لا يهمني من المخطئ ما يهمني أنني لن أسمح لكِ بالاقتراب منهما مجددًا. حصلتُ على الحضانة لأنكِ غير صالحة والآن لديّ ما هو أسوأ لأثبت ذلك.
للحظة عاد كل شيء.
المحكمة الاتهامات العجز.
لكن هذه المرة لم أنكسر.
قلت بصوتٍ هادئ لكنه حاسم
انتهى زمن خوفي منك.
تجمّدت ملامحه لثوانٍ، ثم ضحك بسخرية قصيرة، قبل أن يشيح بوجهه وينصرف.
لكنه لم يكن يعلم
أن كل شيء قد تغيّر بالفعل.
بعد انصرافه عاد الصمت يخيّم على الممر، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا، بل ثقل يضغط على الأعصاب وانتظار يلتهم الوقت ببطء قاسٍ، بينما كانت الدقائق تمر كأنها لا تنتهي.
مرّت الساعات ببطء شديد، وكلما فُتح باب غرفة العمليات كان قلبي يقفز قبل أن تعود أنفاسي إلى صدري خائبة، ولم يكن في داخلي سوى دعاء أتمسك به.
لم أكن أفكر في شيء محدد، فقط أدعو بكل ما تبقى داخلي من قوة، بينما ظل ذلك الرجل في مكانه، صامتًا، وعيناه معلّقتان بالباب دون أن يتحرك.
كان جلوسه يوحي بأن بينه وبين تلك الغرفة عمرًا كاملًا لم يُعشه بعد، وكأنه ينتظر لحظة تعوّض كل ما فاته دون أن يملك القدرة على تغيير شيء.
حتى فُتح الباب أخيرًا، وخرج الطبيب، فوجدت نفسي أقف دون وعي، تتعلّق عيناي بوجهه بحثًا عن أي إشارة أو معنى يطمئن قلبي المرتجف.
تحدث
في تلك اللحظة انهارت دموعي، لم تكن دموع ضعف، بل تحررًا من كل ما احتملته، وأغمضت عيني كأنني أستعيد روحي التي كادت تضيع مني.
وبعد أن هدأت العاصفة قليلًا، أدركت أن ما انتهى ليس سوى بداية لأسئلة أكبر، لم يعد من الممكن تأجيلها أو الهروب منها كما كنت أفعل من قبل.
ولهذا قررت أن أتوجه إلى مركز فتوى داخل العراق وأسأل بشكل مباشر، لأن ما أبحث عنه لم يعد يحتمل اجتهادًا شخصيًا أو طمأنة مؤقتة بلا يقين.
جلست أمام أحد الشيوخ وشرحت له كل ما حدث منذ البداية دون أن أخفي شيئًا، أخبرته عن التلقيح، وعن التحاليل، وعن تسجيل البنتين باسم زوجي السابق.
استمع إليّ بصمت طويل، ثم قال إن الأصل في الشريعة أن الولد للفراش ما دام الزواج قائمًا وقت الحمل، وأن النسب يُثبت لصاحب الفراش حفظًا للأنساب.
وأوضح أن الخطأ الطبي لا يغيّر هذا الأصل بمجرده، لأن الأحكام لا تُبنى على الاحتمالات، بل على ما يثبت يقينًا وبطرق معتبرة لا يدخلها الشك.
لكنه أشار إلى أن التحاليل الجينية يمكن النظر إليها عند وجود نزاع، لا لهدم الأنساب المستقرة، بل لمنع الظلم أو إثبات
ثم أكّد أن بقاء البنتين على نسب الزوج هو الأصل ما لم يصدر حكم قضائي يغيّر ذلك، وأن مصلحتهما واستقرارهما يجب أن تكون فوق أي صراع.
خرجت من عنده وأنا لا أحمل راحة كاملة، لكنني أحمل طريقًا واضحًا، طريقًا يبدأ بإثبات الحق عبر القانون دون أن أعرّض بناتي لاضطراب أكبر.
لكن الراحة لم تكتمل، فقد بدأت الأيام التالية ثقيلة، لا تُقاس بالوقت بل بالخوف، حيث كان كل تحليل يحمل احتمالين لا ثالث لهما، أمل أو انهيار.
كل نظرة إلى سارة كانت سؤالًا صامتًا لا أجرؤ على نطقه، بينما بقي ذلك الرجل إلى جانبها يرعاها بصمت، كأنه يحاول تعويض سنوات لم يعرف فيها بوجودها.
أما مرتضى فلم يختفِ، بل بدأ وجهه الحقيقي يظهر دون أقنعة، ومع كل يوم كانت الحقائق تنكشف بشكل أوضح مما كنت أتوقع أو أستعد له.
التقارير الطبية الخاصة برُبى لم تترك مجالًا للشك، فقد كشفت سوء معاملة من مرتضى.. نقص في التغذية وإرهاق.
في تلك اللحظة تغيّر كل شيء، فلم تعد المسألة صراع حضانة كما كنت أظن، بل تحوّلت إلى معركة حقيقية لإنقاذ طفلتي الاخرى.
بدأت الإجراءات القانونية بسرعة، وتم فتح ملف جديد للتحقيق في كل ما حدث خلال العامين الماضيين، مع إعادة النظر في كل التفاصيل التي تم تجاهلها سابقًا.
ومع