ميرنا السيوفي خرجت من الفيلا وهي حاسة إن كل خطوة بتاخدها مش مجرد خروج من بيت… دي خروجة من نسخة قديمة من نفسها، نسخة كانت بتسكت وتعدّي وبتدي أكتر ما بتاخد، نسخة كانت فاكرة إن الحب ممكن يعيش وسط الإهانة، وإن الصبر هيغير ناس عمرهم ما فكروا يتغيروا، ركبت العربية بإيد ثابتة رغم الدم اللي لسه بينزل من كفها، وقلبها لأول مرة ما كانش بيجري ورا حد… كان ثابت، بارد، حاسم، أول ما العربية اتحركت، فتحت تليفونها وبصوت هادي قالت: “ابدأوا الخطة كاملة… من غير تأجيل”، وفي نفس اللحظة، في الفيلا، الضحك بدأ يخف واحدة واحدة، لأن المشهد اللي شافوه من الشباك ما كانش عادي، عربية فخمة، راجل ببدلة رسمية، احترام واضح… ده مش شكل واحدة “مترمية” زي ما كانوا بيقولوا، أدهم حاول يضحك تاني وقال: “تمثيلية فارغة… بكرة ترجع تزحف”، بس جواه حاجة صغيرة بدأت تقلق، بوسي قربت منه وقالت بنبرة فيها شك: “هي كانت بتقول إيه عن الشركة؟”، نيرة حاولت تقطع الكلام: “ولا حاجة… دي واحدة اتحمست زيادة”، بس القلق كان دخل فعلاً، تاني يوم الصبح، أدهم لبس بدلته ونزل وهو متعصب، عايز يثبت لنفسه قبل أي حد إن كل حاجة تحت السيطرة، وصل الشركة، وقف قدام البوابة… لكن الأمن وقف قدامه، “آسف يا فندم… اسم حضرتك متشال من السيستم”، أدهم اتجمد لحظة وبعدين صرخ: “إنت مجنون؟ أنا صاحب الشركة!
”، لكن الرد كان أبرد من المتوقع: “الأوامر جاية من الإدارة العليا… ومرفقة بأوراق قانونية”، حاول يدخل بالعافية، لكن الأمن كان متشدد، وفي نفس اللحظة وصل له إشعار على موبايله… حساباته البنكية متجمدة، بطاقاته مرفوضة، حتى الخط الساخن للشركة مش بيرد عليه، بدأ يتصل بكل المدراء… مفيش حد بيرد، وفي مكتب كبير في الدور الأخير، كانت ميرنا قاعدة قدام مجلس الإدارة، بهدوء كامل، بتراجع ملفات قديمة، ملفات كانت شايلة توقيعات أدهم… وتوقيعها هي كضامن، بس الفرق إن هي كانت فاهمة كل سطر، وهو كان بيمضي وبس، المحامي قال بهدوء: “كل الأصول مسجلة باسم شركة قابضة… حضرتك المالكة الفعلية ليها من خمس سنين، وكل حاجة كانت متغطية بعقود حماية”، ميرنا ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: “كنت مستنية اليوم ده من زمان… بس كنت بدّي له فرص كتير”، في نفس الوقت، في الفيلا، بوسي كانت قاعدة متوترة، أدهم رجع وهو شبه منهار، وشه متغير، أول ما دخل قالت له: “إيه اللي حصل؟”، رد بعصبية: “كل حاجة اتسحبت… كل حاجة!”، نيرة قامت مفزوعة: “إزاي يعني؟”، أدهم بص لها وقال: “الشركة… الحسابات… حتى البيت ده عليه رهن باسمها من خلال شركة تانية!”، الصمت خيّم، وبوسي لأول مرة تبص له مش بإعجاب… لكن بحساب، وقالت بهدوء: “يعني إيه؟ إحنا دلوقتي… ولا حاجة؟”، أدهم ما ردش، لأنه كان عارف الحقيقة،
وبعد ساعات قليلة، وصل إخطار رسمي بإخلاء الفيلا خلال 72 ساعة بسبب تعثر السداد، نيرة انهارت: “دي مؤامرة! البنت دي نصابة!”، لكن الرد كان جاهز، ملف كامل اتبعت للشرطة… فيه تسجيلات، مستندات، وحتى كاميرات داخلية بتوضح إن “عقد الزمرد” اللي اتهموا ميرنا بسرقته… كانت نيرة نفسها اللي خبّته في درج سري علشان تعمل الفضيحة وتطردها، الشرطة حضرت، والتحقيق بدأ، ونيرة اتحولت من سيدة مجتمع لـ متهمة، بوسي ما استحملتش الضغط، جمعت حاجتها ومشيت في هدوء من غير ما حتى تبص لأدهم، لأنه بالنسبة لها… انتهى، أما أدهم، فكان قاعد لوحده في الصالة الفاضية، بيستوعب إن كل حاجة راحت، مش بسبب “انتقام”… لكن لأنه كان فعلاً عايش على مجهود واحدة هو قرر يهينها، في المقابل، ميرنا كانت واقفة في مكتبها، بصت من الشباك على المدينة، وقالت لنفسها بهدوء: “أنا ما هدّتش حد… أنا بس شلت إيدي”، وبعد أيام، وصل أدهم دعوة رسمية لمكتبها، دخل وهو مكسور، مش الراجل اللي كان بيزعق ويأمر، وقف قدامها وسكت، ميرنا ما بصتش له على طول، خلصت توقيع ورق، وبعدين رفعت عينيها وقالت: “أيوه؟”، أدهم بلع ريقه وقال بصوت واطي: “أنا… غلطت”، ميرنا سكتت شوية، وبعدين قالت: “الغلط مش كلمة… الغلط اختيار، وإنت اخترت”، حاول يقرب خطوة، لكن هي وقفته بنظرة: “لو جاي تعتذر علشان ترجع، يبقى لأ… ولو جاي
تعتذر علشان تفهم، فاسمع: أنا كنت شايلة كل حاجة… وإنت كنت شايف ده حقك”، دموعه نزلت، لكن المرة دي مفيش حد يتأثر، ميرنا قامت وقفت وقالت: “أنا سامحت نفسي إني استحملت… لكن مش هرجع لنفس الغلط”، سلّمته ورقة أخيرة: “ده عرض… وظيفة صغيرة في فرع بعيد، لو عايز تبدأ من جديد بجد”، أدهم مسك الورقة بإيد بترتعش، لأنه لأول مرة في حياته… محتاج يبدأ من الصفر، وميرنا؟ خرجت من المكتب بثقة، مش علشان كسبت حرب… لكن لأنها أخيراً خرجت من معركة كانت بتخسر فيها نفسها كل يوم.
أدهم فضل واقف في مكتب ميرنا بعد ما خرجت، الورقة في إيده بتترعش، مش عارف يقرأها ولا حتى يستوعب هو وصل لإيه، كل اللي كان بيدور في دماغه إنه من كام يوم بس كان شايف نفسه فوق الكل، والنهاردة واقف مستني فرصة “شغل” من الست اللي كان بيهينها قدام الناس، قعد على الكرسي تقيل كأن جسمه مش شايله، وبص حواليه… نفس المكتب اللي كان بيدخله زمان وهو رافع راسه، دلوقتي حاسس إنه غريب فيه، كل حاجة بقت بعيدة عنه رغم إنها كانت في إيده، حاول يقوم ويمشي لكن رجله ما كانتش راضية تتحرك بسهولة، كأن الحقيقة تقيلة عليه أكتر من أي حاجة، خرج أخيرًا من الشركة وهو حاسس بنظرات الناس عليه، مش نظرات احترام زي زمان… لأ، نظرات شفقة أو شماتة أو حتى تجاهل، ودي كانت أصعبهم، لأنه لأول مرة يبقى “ولا حاجة”.