البنت الوحيدة حكايات صافي هاني
بدأت تحكي وصوتها مخنوق بالدموع: "من 28 سنة، كنت بشتغل ممرضة في نفس المستشفى اللي اتولدتي فيها. كنت غلبانة ومقطوعة من شجرة، وأهلك -اللي أنتي عارفاهم- كانوا داخلين المستشفى بطفلة ميتة، وكانوا هيموتوا من الرعب إن عيلتهم الكبيرة تقطع عنهم الميراث لو مخلفتوش. أنا كنت لسه والدة وعارفة إني مش هقدر أأكلك، وهما عرضوا عليا مبلغ يخليني أعيش مستورة.. وأنا، من خوفي عليكي ومن فقري، وافقت أبيعك ليهم عشان تتربي في عز."
سكتت لحظة وكملت وهي بتمسح دموعها: "بس فضلت مراقباكي من بعيد. شوفتك وأنتي بتكبري، وشوفتهم وهما بيخلفوا زياد بعدها بسنتين، وشوفت معاملتهم ليكي اللي كانت دايماً كأنك 'شغالة' بفلوس مش بنتهم. لما عرفت بالحادثة، مقدرتش أمنع نفسي. كنت باجي كل يوم، بس كنت خايفة أواجهك وأبوظ حياتك.. لحد ما عرفت إنهم سابوكي لوحدك في أصعب وقت."
في اللحظة دي، تليفوني نور برسالة من "أمي" اللي في الساحل:
"سارة، حولي الـ 5 آلاف جنيه بسرعة، زياد محرج قدام صحابه في العزومة."
بصيت للموبايل، وبعدين بصيت للست اللي واقفة قدامي بشنطة هدايا بسيطة بس مليانة حب وخوف حقيقي. ضحكت ضحكة وجع، ضحكة حد أخيراً فهم ليه مكنش فيه كيميا، وليه كنت دايماً "غريبة" في البيت ده.
مسكت الموبايل، وعملت "بلوك" لـ أمي، ولأبويا، ولزياد.
بصيت لليلى وقولتلها: "أنا مكنتش محتاجة عز، أنا كنت محتاجة حد يحس بيا. اقعدي يا ليلى.. احكيلي عني، احكيلي أنا طالعة شبهك في إيه تاني."
في الليلة دي، ولأول مرة من يوم الحادثة، محستش بوجع ضهري.. حسيت إن روحي هي اللي بدأت تلم وتخف.
قعدت "ليلى" جنبي على طرف السرير، مسكت إيدي اللي كانت متوصلة بالمحاليل، وكانت إيدها دافية بشكل غريب، دفا عمري ما حسيته من الست اللي كنت فاكرة إنها أمي.
بدأت تحكيلي عن تفاصيل صغيرة عني؛ إني كنت بحب النوم
"أنا كنت بشتغل في البيوت يا سارة عشان أحوش قرشين أقدر بيهم أبعتلك هدايا من غير ما حد يحس،" ليلى قالت وهي بتطلع من الشنطة علبة قطيفة قديمة، "دي غويشة كانت بتاعة أمي، فضلت شايلاها ليكي 28 سنة.. كنت بقول يجي يوم وتلبسيها."
في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة.
دخلت "أمي" - اللي ربتني - ومعاها بابا وزياد. كانوا لابسين لبس الساحل، وشوشهم محمرة من الشمس، وريحة البحر لسه فيهم. أول ما دخلت، بصت لليلى بقرف وقالت:
"أنتي مين يا ست أنتي؟ وايه اللي مقعدك هنا؟"
وبعدين لفتت ليا من غير حتى ما تسأل "أنتي عاملة إيه؟":
"سارة! أنتي عملتيلي بلوك؟ أنتي اتجننتي؟ إزاي تكسفينا قدام الناس والفلوس متتحولش؟ زياد اضطر يستلف من صحابه عشان يدفع الحساب!"
بصيت لها بهدوء غريب، هدوء ما قبل العاصفة. ليلى قامت وقفت، كانت مرعوبة بس نظرتها فيها تحدي.
رد بابا وهو بيعدل نضارته: "يلا يا سارة، فكي البلوك وخلصينا، مش وقت دراما المستشفيات دي، إحنا راجعين وتعبانين من الطريق."
ضحكت بصوت عالي لدرجة إنهم اتخضوا. "تعبانين؟ بجد؟ تعبتوا وأنتوا بتشربوا شربات في الساحل وأنا ضهري بيتفتح هنا؟"
بصيت لـ "أمي" وقولت لها: "الست دي تبقى ليلى.. الممرضة اللي باعتلها عيلتها من 28 سنة. فاكراها يا "ماما"؟ ولا الفلوس والميراث نسوكي ملامحها؟"
وشها قلب ألوان، وبابا رجع خطوة لورا وصدمة حقيقية بانت على وشه. زياد كان واقف مش فاهم حاجة، بص لي وقال ببجاحة: "إيه الهبل ده؟ دي أكيد نصابة وجاية تاخد منك قرشين."
هنا ليلى اتكلمت بصوت قوي: "أنا مخدتش منها مليم، أنا اللي كنت بجيلها كل يوم وهي بتموت،
بصيت للي ربتني وقولتلها: "من اللحظة دي، مفيش مليم واحد هيدخل البيت ده. العربية اللي زياد راكبها، والشقة اللي قاعدين فيها، والمصريف اللي بتتدفع.. كله هيقف. أنا هرفع قضية "إثبات نسب" وهسترد حياتي اللي سرقتوها."
"أنتي هترمي أهلك في الشارع عشان واحدة شحاتة؟" صرخت الست وهي بتحاول تمسك إيدي.
نفضت إيدها بقوة وقولت: "أهلي هما اللي شالوني وأنا مكسورة، مش اللي كسروني عشان يلموا الفلوس. اخرجوا بره.. ومش عايزة أشوف وشكم تاني."
خرجوا وهما بيشتموا ويهددوا، وزياد بيصرخ إنه هيضيع من غير الفلوس. لما الباب اتقفل، الأوضة رجعت هادية تاني.
ليلى بصت لي بخوف: "أنا بوظتلك حياتك يا بنتي؟"
ابتسمت لها والدموع في عيني، ومسكت إيدها بقوة: "بالعكس يا ليلى.. أنتي لسه حالا منقذة حياتي."
نمت ليلتها وأنا حاسة إني خفيفة، لأول مرة ضهري مكنش بيوجعني.. لأول مرة كنت حاسة إني سارة، مش مجرد "ممول" لعيلة معندهاش قلب.
مر شهرين على اليوم اللي حياتي فيه اتقلبت شقلباظ.
خرجت من المستشفى، بس المرة دي مروحتش فيلا "التجمع" اللي كنت دافعة أقساطها من دمي. رحت شقة هادية وصغيرة على النيل، ليلى كانت مجهزاها لي بكل حب. بدأت رحلة العلاج الطبيعي، ومع كل خطوة كنت بمشيها، كنت بحس إني بدوس على الماضي كله.
طبعاً هما مسبونيش في حالي. التليفونات مكنتش بتبطأ رن، رسايل اعتذار من بابا، وعياط وندم مصطنع من "ماما"، وشتائم وتهديد بالانتحار من زياد بعد ما البنك سحب منه العربية اللي مكنتش بتدفع أقساطها.
في يوم، كنت قاعدة مع المحامي بتاعي، وقالي الجملة اللي كنت مستنياها:
"القضية ماشية في مصلحتنا يا سارة، والتحاليل أثبتت كل حاجة. هما دلوقتي في موقف قانوني وحش جداً بتهمة التزوير
فجأة، جرس الباب رن. ليلى راحت تفتح، لقيت زياد واقف بره، شكله مبهدل، وشعره منكوش، وعينيه فيها غل مكنتش بشوفه غير لما أرفض أديله فلوس.
"عايزة إيه يا سارة؟" صرخ وهو بيحاول يزق الباب ويدخل. "عايزة ترمينا في الشارع؟ أنتي عارفة إن بابا مريض ضغط وأمي مش قادرة تتحمل الصدمة؟ كل ده عشان الست دي؟" وشاور على ليلى بقرف.
قمت وقفت ببطء، مستندة على المشاية بتاعتي، وبصيت له بكل برود:
"زياد، أنا مش برميكم في الشارع. أنا بس سحبت "الفيزا" اللي كنتوا عايشين عليها. البيت اللي أنتم فيه، أنا عرضته للبيع، والفلوس هتروح للمستشفى اللي عملت فيها العملية كنوع من التبرع."
وشه اتقلب، وبدأ يترجى: "طيب بلاش أنا، فكري في العشرة.. أنا أخوكي!"
"أخويا اللي منزلي ستوري وأنا بتموت وهو بيشرب شامبانيا؟" رديت عليه بقوة. "أخويا اللي كان عايز يسرق مرتبي وأنا في العناية؟ أنت معندكش أخت يا زياد، أنت كان عندك "حصالة" والحصالة دي اتكسرت."
نادينا الأمن وخرجوه وهو بيصرخ وبيلعن اليوم اللي عرفني فيه. ليلى جت جنبي وحضنتني، كانت بتترعش من الخوف عليا.
"متخافيش يا ليلى،" قولت لها وأنا ببتسم، "أنا عمري ما كنت قوية كده."
بعد أسبوع، كنت واقفة في البلكونة بشوف الغروب، ليلى جابت لي الشاي وحطته قدامي. بصيت للغويشة القديمة اللي في إيدي، ولمعت في النور.
تليفوني نور برسالة جديدة، بس المرة دي مش منهم. كانت من مدير شركتي:
"سارة، إحنا مستنيينك ترجعي، المكتب كبر وبقيتي شريكة معانا رسمياً تقديراً لمجهودك السنين اللي فاتت."
قفلت الموبايل ورميته على التربيزة. بصيت لليلى وقولت لها: "عارفة يا ليلى، الحادثة دي مكسرتش ضهري.. دي عدلته."
ضحكنا إحنا الاتنين، ولأول مرة من سنين، الضحكة كانت طالعة من القلب، في بيت حقيقي، مع أم حقيقية، وحياة أنا اللي
تمت.