الجزء الثاني والأخير من حكايات محمد عبده
اقتربت من “آدم”، انحنيت بجانبه وعدّلت شعره بحنان.
— المفتاح ده يا حبيبي مش حاجة عادية… ده وعد.
قطّب حاجبيه وسألني:
— وعد بإيه يا ماما؟
وقفت ببطء، ونظرت مباشرة إلى “خالد” و“سارة”.
— وعد إنك مهما حصل… ليك دايمًا بيت آمن.
ساد الصمت في الحديقة. حتى الأطفال خفضوا أصواتهم دون أن يفهموا السبب.
سارة ضحكت ضحكة متوترة:
— يا سارة، بلاش دراما… دي حفلة أطفال!
ابتسمت بهدوء:
— مش دراما… دي خطة.
تقدم خالد خطوة للأمام:
— يعني إيه الكلام ده؟
— يعني اللي واضح قدامك — قلت بثبات — اشتريت بيت.
اتسعت عينا سارة:
— أنتِ؟ بيت؟
— من تلات شهور — أجبتهما — ووقعت العقد في يناير.
شد خالد فكه:
— منين الفلوس؟
ارتفعت نبرة صوته قليلًا، فبدأ بعض الحضور يلتفتون.
لكنني لم أرفع صوتي:
— من الفلوس اللي ادخرتها وأنا بشتغل، وإنت بتقول للناس إني مش قادرة أعيش.
ومن شغلي اللي كنتوا بتسخروا منه.
سارة عبست:
— شغل التنضيف بتاعك ده؟
أومأت:
— أيوه… “شغلي ده”.
بدأت العيون في الحديقة تتغير… لم يعودوا يتجاهلون
ثم التفت إلى خالد:
— فاكر لما كنت بتقول للمحكمة إني مش قادرة أدي استقرار لابنك؟
وإنك لازم “تنقذه” مني؟
سكت.
لم يجب.
ثم نظرت إلى سارة:
— وفاكرة كل مرة كنتي بتبصي فيها باحتقار لما حد يذكر شغلي؟
وإنك جيتي النهارده تكسري طفل في عيد ميلاده عشان تحسي إنك أعلى؟
تشابكت ذراعاها:
— دي كانت هزار!
قلت بهدوء حاد:
— لا.
اللي حصل ده إهانة لطفل.
آدم كان ماسك المفتاح بقوة، بيسمع كل كلمة.
انحنيت له مرة أخرى:
— فاكر لما ماما بدأت تشتغل لوقت أطول في الليل؟
هز رأسه.
— كنتي بترجعي تعبانة وريحتك صابون…
ابتسمت وقلبي بيتعصر:
— أيوه.
بدأت من سيدة واحدة اسمها “مدام منى” ساكنة عندنا في الشارع.
وبعدها بقت توصيني على ناس تانية.
ثم عمارات كاملة.
ثم فريق شغل صغير.
ومع الوقت… كبرت.
رفعت عيني لسارة:
— الناس بتقدّر اللي بيشتغل بضمير… مش اللي بيحتقر الناس.
ضحك خالد بسخرية:
— وبعدين اشتريتي بيت؟
— أيوه.
سأل:
— وعايزة إيه؟ تصفيق؟
هزيت رأسي:
— مش أي بيت.
بيت في “التجمع الخامس”.
قريب من مدرسة أفضل.
ثلاث غرف.
وغرفة لآدم… طول العمر.
تغير وجه سارة تمامًا.
لأنها عرفت المكان… المكان اللي هم نفسهم كانوا عايزين يعيشوا فيه ومقدروش.
قالت بغضب:
— ما كانش ينفع تعملي ده من غير ما تقولي لخالد! هو أبوه!
نظرت لها مباشرة:
— كونه أبوه مش معناه إنه يقرر أنا أحس بإيه.
في اللحظة دي، شد آدم إيدي وقال:
— يعني هنروح البيت الجديد؟
انحنيت وضممته:
— قريب يا حبيبي.
قبل بداية السنة الجديدة.
وهتختار لون أوضتك بنفسك.
عيونه لمعت:
— حتى لو أزرق قوي؟
ابتسمت:
— أقوى أزرق في الدنيا.
وفجأة حصل شيء ما توقعتوش.
آدم مشي ناحية الطاولة، أخذ المكنسة اللي كانت سارة جايباها، ورجع بيها.
وقف قدامها وقال بثبات طفل صغير لكن صوته قوي:
— دي بتاعتك.
سارة تجمدت.
خالد قال بسرعة:
— آدم، كفاية!
لكن ابني ما اتحركش:
— ماما بتشتغل كتير.
مش ضعيفة.
وأنا مش بخجل منها.
الصمت غطى المكان كله.
سارة أخذت المكنسة بإيدين بيرتعشوا من الغضب والإهانة.
وخالد وقف مش قادر يتكلم.
والكل كان بيبص…
وأنا كنت عارفة
بل الصورة اللي كانوا عايزين يفرضوها علينا للأبد.
زوجة طليقي الجديدة جاءت إلى عيد ميلاد ابني بمكنسة وابتسامة قاسية… لكن الهدية الأخيرة كشفت حقيقة لم يتوقعها أحد
لأن عندما أعاد “آدم” المكنسة إلى “سارة”، لم يكن يعيد لها شيئًا عاديًا…
بل كان يعيد لها الإهانة التي حاولت أن تُعلّقها على طفل في الثامنة أمام الحي كله.
ساد الصمت في الحديقة لدرجة أن الموسيقى بدت وكأنها اختفت تمامًا.
الأمهات توقفن عن التظاهر بالانشغال بهواتفهن.
والآباء رفعوا رؤوسهم من الكؤوس.
أما “خالد”، طليقي، فقد أدرك لأول مرة أنه لن يستطيع السيطرة على الموقف بابتسامته المعتادة.
سارة أمسكت بالمكنسة وكأنها أصبحت ثقيلة جدًا عليها… ليس بثقة، بل بغضب.
— طفل وقح جدًا — قالت وهي تبتسم بسخرية متوترة — واضح مين اللي رباه كده.
لكن “آدم” لم يتراجع.
كان يقف بثبات رغم أنه ما زال طفلًا صغيرًا يرتدي قميص الديناصور المفضل لديه، ووجهه ما زال يحمل أثر الإهانة.
كنت أراه وأشعر بشيئين في نفس الوقت: فخر وألم.
لأن الطفل لا يجب أن يتعلم الدفاع عن كرامة أمه أمام البالغين.