قبل دفن حفيدتي
المحتويات
صمت
ثم وضع يده على المقبض.
في تلك اللحظة، لم أفكر لم أخف لم أتردد.
فتحتُ الباب فجأة بكل قوتي، فاصطدم به وارتد للخلف، وفقد توازنه للحظة.
خرجتُ وأنا أحمل زهراء، وصرخت بكل ما في صدري
بنتك عايشة يا رعد!
تجمّد في مكانه.
نظر إلى زهراء
ثم إليّ
ولأول مرة رأيت الخوف في عينيه.
لكن الصدمة لم تدم.
تغيرت ملامحه بسرعة إلى شيءٍ أقسى أظلم.
انطيها إلي قالها ببطء.
مستحيل! صرخت.
اقترب خطوة.
إنتِ ما تفهمين الموضوع أكبر منچ.
أكبر من إيه؟! تقتل بنتك؟!
سكت لثانية
ثم قال جملة خلت الدنيا كلها تسود في عيني
لو عاشت إحنا كلنا نروح فيها.
في نفس اللحظة
رنّ هاتفه.
نظر إلى الشاشة ثم رد فورًا، وصوته انخفض
إي صار تأخير بسيط لا، كلشي تحت السيطرة.
لكن عينيه لم تتركاني.
ثم قال وهو يضغط على أسنانه
لازم تخلص اليوم.
أغلقت الخط ورفع عينه نحوي.
وفي تلك اللحظة سُمِع طرقٌ عنيف على باب المنزل من الأسفل.
مش طرق عزاء
بل طرق قوي رسمي.
افتح الباب! صوت رجولي صرخ من الخارج.
تبادلنا النظرات.
رعد شحب وجهه فجأة.
أما أنا فابتسمت لأول مرة.
همستُ
يمكن مو كلشي تحت السيطرة
الطرق اشتد
وصوت آخر قال بوضوح
شرطة! افتح فورًا!
رعد تراجع خطوة ثم نظر حوله كمن يبحث عن مخرج.
أما أنا فاحتضنت زهراء أكثر، ودموعي نزلت بصمت.
لكنها لم تكن دموع خوف
كانت بداية النجاة تراجع رعد خطوتين إلى الخلف، وكأن الأرض بدأت تنهار تحت قدميه.
صوت الطرق على الباب كان يزداد قوة، ومعه أصوات
افتح فورًا! شرطة!
نظرتُ إليه بثبات، بينما كنتُ أضم زهراء إلى صدري، أشعر بأنفاسها بدأت تنتظم قليلًا لكنها ما زالت ضعيفة.
قال بصوتٍ منخفض، مرتبك لأول مرة
إنتِ إنتِ اللي بلغتي؟
هززتُ رأسي ببطء
أنا ما لحقت بس ربنا ما بيضيعش حق حد.
لكن الحقيقة؟
حتى أنا لم أكن أعرف كيف وصلت الشرطة في هذا التوقيت بالضبط.
رنّ هاتفه مرة أخرى.
هذه المرة، لم يرد.
كان ينظر إلى الباب ثم إليّ ثم إلى النافذة، كأنه يحسب احتمالات الهروب.
وفجأة
اندفع نحوي بسرعة.
هاتيها! صرخ وهو يحاول انتزاع زهراء من بين ذراعي.
لكن قبل أن يلمسها
دُفِع باب المنزل بقوة من الأسفل.
صوت اقتحام واضح.
صرخات
اطلع! بسرعة!
تجمّد رعد في مكانه.
ثوانٍ فقط
وكان رجال الشرطة يندفعون إلى الغرفة.
إيدك لفوق! صرخ أحدهم.
رفع رعد يديه ببطء وعيناه ما زالتا معلّقتين بزهراء.
لكن هذه المرة لم يكن فيهما تهديد
بل شيء يشبه الانكشاف.
كأن كل الأسرار التي أخفاها انكشفت في لحظة واحدة.
اقترب ضابط نحوي بسرعة، وعيناه اتسعتا عندما رأى الطفلة بين يديّ.
دي دي عايشة؟!
هززتُ رأسي، وصوتي خرج مكسورًا
كانوا هيدفنوها وهي عايشة
سادت لحظة صمت ثقيل
ثم تحولت إلى فوضى.
هات إسعاف فورًا!
افتحوا المكان!
اقبض عليه!
تم تقييد رعد بسرعة، لكنه لم يقاوم.
فقط قال جملة واحدة بصوتٍ ميت
كنت بحاول أحميكم
صرختُ فيه
تحمينا من إيه؟! من نفسك؟!
لكنه لم يرد.
بعد دقائق
وصلت سيارة الإسعاف.
أخذوا
جدتي همست.
انحنيتُ بسرعة، وقبّلت جبينها
أنا هنا مش هسيبك.
أغلقوا باب الإسعاف
وانطلقت.
وقفتُ في منتصف البيت، وسط الفوضى
والناس بدأت تتجمع والهمسات تعلو
لكنني لم أسمع شيئًا.
كل ما كنت أفكر فيه
من الذي أبلغ الشرطة؟
بعد ساعات
في المستشفى
كنتُ أجلس خارج غرفة العناية، يداي ترتجفان، وقلبي معلق خلف ذلك الباب.
اقترب مني ضابط شاب، يحمل ملفًا.
قال بهدوء
مدام في حاجة لازم تعرفيها.
نظرتُ إليه.
فتح الملف وأخرج ورقة صغيرة.
البلاغ اللي وصلنا كان من رقم مجهول.
توقّف لحظة ثم أضاف
بس المكالمة كانت قصيرة جدًا وجملة واحدة بس اتقالت.
شعرتُ بقلبي يتوقف.
سألته بصوتٍ مرتجف
إيه هي؟
نظر في الورقة ثم قرأ
البنت لسه عايشة وهتتدفن قبل الفجر.
تجمّدتُ.
هذه الجملة
أنا لم أقلها.
ولم يسمعها أحد
إلا
نظرتُ ببطء نحو باب العناية المركزة
وهمستُ لنفسي
زهراء؟
وفي تلك اللحظة
صدر صوتٌ خفيف من الأجهزة داخل الغرفة
ثم اندفع الأطباء إلى الداخل فجأة.
وقفتُ مذعورة.
في إيه؟!
لكن لا أحد رد.
ثوانٍ مرعبة مرت
ثم خرج الطبيب.
نظر إليّ
وقال جملة واحدة قلبت كل شيء من جديد
في حاجة غريبة جدًا الطفلة كانت تحت تأثير مادة مخدرة نادرة مش متوفرة هنا أصلاً.
شعرتُ بأن الأرض تميد بي.
سألته
يعني إيه؟
اقترب أكثر وخفض صوته
يعني في حد تاني ورا اللي حصل.
رفعتُ عيني ببطء
والخوف الحقيقي بدأ الآن فقط.
لأن رعد
ما كانش لوحده.
يتبعسقطتُ على الكرسي وكأن ساقيّ لم تعودا تحملاني.
كلمات الطبيب كانت تدور في رأسي بلا توقف
في حد تاني ورا اللي حصل.
رفعتُ عيني ببطء
ونظرتُ نحو باب العناية المركزة، حيث ترقد زهراء بين الحياة والموت
لكن هذه المرة، لم يكن خوفي عليها فقط
بل مما هو قادم.
مرّت ساعات ثقيلة
الضابط عاد مرة أخرى، هذه المرة بملف أكبر، وملامحه أكثر جدية.
جلس أمامي وقال
إحنا فتشنا البيت بالكامل ولقينا حاجات مش طبيعية.
قلبي انقبض
زي إيه؟
فتح الملف وأخرج صورًا.
أدوية
حقن
وأوراق مكتوب عليها ملاحظات طبية.
لكنها لم تكن وصفات عادية.
كانت تحتوي على جرعات دقيقة
وتوقيتات
وملاحظات عن تثبيط التنفس وإبطاء النبض.
ارتجفت يدي.
دي مش شغل واحد لوحده قال الضابط.
ثم أضاف
وفي اسم متكرر في الورق دكتور.
رفعت رأسي فجأة
دكتور مين؟
تردد لحظة
ثم قال
الدكتور اللي أعلن وفاتها.
شعرتُ ببرودة تسري في جسدي.
افتكرتُ تلك اللحظة
عندما خرج الطبيب وقال ببرود
البنت توفت البقاء لله.
لم يفحصها طويلًا
لم يحاول إنعاشها
كأن الحكم كان جاهزًا.
قبضنا عليه من ساعة أكمل الضابط.
وهو بينكر بس في أدلة قوية.
سألته بصوتٍ ضعيف
طب ليه؟ يعمل كده ليه؟!
صمت لثوانٍ
ثم قال
في تحويلات فلوس كبيرة باسم رعد وباسم الطبيب ومن حساب جهة تالتة.
اتسعت عيني
جهة مين؟!
هنا
لم يرد مباشرة.
بل سألني سؤالًا غريبًا
في حد في العيلة عنده مصلحة إن البنت تختفي؟
تجمدتُ.
عقلي بدأ يربط أشياء لم أفكر فيها من
الميراث
البيت
الأرض
ثم فجأة
ظهر اسم في رأسي
همستُ بدون وعي
مراته
رفع الضابط حاجبه
تقصد زوجة رعد؟
هززتُ رأسي ببطء
كانت دايمًا رافضة زهراء وبتقول إنها نحس وإنها السبب في كل مشاكلهم
في تلك اللحظة
رنّ
متابعة القراءة