اسمي كامليا

لمحة نيوز

اسمي كاميليا، وقبل خمس سنين قالولي إن بناتي التوأم ماتوا وقت الولادة — من غير ما حتى أشوفهم أو أحضنهم لحظة واحدة.
ده كان اعتقادي.
خمس سنين كاملة، الحزن ما فارقنيش لحظة، ماشي ورايا زي الظل. كان موجود في الليالي اللي مش بعرف أنام فيها، وفي الأعياد اللي كانت فاضية، وفي الصمت التقيل اللي مالي البيت اللي كان مفروض يبقى فيه عيلة من أربعة.
كنت شايلة السكوت ده جوايا في كل مكان أروحه.
لحد ما في صباح عادي جدًا، أول يوم شغل ليا في حضانة أطفال في مدينة جديدة، كل حاجة اتقلبت.
اتنين بنات صغيرين جريوا ناحيتي في الحضانة، حضنوني من خصري، وقالوا لي: "ماما".
في اللحظة دي، الحياة اللي كنت فاكرة إني فاهمها بدأت تتفكك قدامي.
أنا كنت واعدة نفسي إني ماعيطش في اليوم ده.
طول الطريق وأنا رايحة، كنت بكرر لنفسي نفس الجملة: لازم أكون هادية، شغلي، متماسكة. الشغل ده كان المفروض بداية جديدة. بداية تبعدني عن المدينة القديمة، عن الشوارع اللي مليانة ذكريات كنت بصعب عليا أتنفس وهي جواها.
مكان جديد.
روتين جديد.
وشخصية جديدة ليا.
كنت مقتنعة إن أول ما أدخل الحضانة، هبقى هادية، محترفة، ومسيطرة على نفسي.
بس الحياة عمرها ما بتمشي زي ما إحنا بنخطط.
مبنى الحضانة كان دافئ ومريح. رسومات ملونة على الحيطان، وصوت ضحك الأطفال

مالي المكان.
وأنا كنت بفضي علب ألوان وأوراق رسم على ترابيزة صغيرة في آخر الفصل، أول مجموعة أطفال دخلت.
الباب اتفتح، ودخلت وراه موجة أصوات صغيرة.
ابتسمت تلقائيًا، زي أي حد كبير بيقابل أطفال.
وبعدين شفتهم.
اتنين بنات صغيرين داخلين مع بعض، ماسكين إيد بعض بقوة.
كان شكلهم حوالي خمس سنين.
الاتنين شعرهم كيرلي تقيل، وخدودهم حمرا، ومشيتهم واثقة كأنهم عارفين إنهم في أمان كامل.
في الأول كنت ببص لهم بفضول عادي.
وبعدين قربوا أكتر.
ابتسامتي اختفت واحدة واحدة.
في حاجة جوايا شدت صدري.
الشبه ماكنش واضح مرة واحدة.
أول حاجة كانت شكل الخد.
وبعدين الأنف.
وبعدين الطريقة اللي بيبقوا مائلين بيها راسهم وهم بيبصوا حواليهم.
كانوا شبه طفولتي أنا بشكل غريب.
قبل ما أقدر أفهم الفكرة دي أصلاً، البنات لمحوني.
وفجأة جريوا.
ناحيتي أنا مباشرة.وقبل ما أستوعب هم بيجروا ليه بالسرعة دي… كانوا خلاص وصلوا.
اتنين إيدين صغيرين مسكوا في خصري بقوة، كأنهم خايفين إني أختفي لو سيبوني لحظة.
وهمسوا مع بعض بصوت واحد تقريبًا:
"ماما…"
جسمي كله اتجمد.
مش مجرد كلمة… لا، الإحساس كان أغرب من كده بكتير.
زي حاجة قديمة جوايا اتسحبت فجأة على السطح.
انحنيت شوية وأنا ببص في وشوشهم.
العيون… نفس اللون اللي كنت بشوفه في مراية طفولتي.
نفس اللمعة.

نفس الخوف اللي مش باين عليه خوف.
بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت واطي:
"إنتوا… مين؟"
البنت اللي على اليمين رفعت إيدها، وبتشاور على نفسها قالت بثقة غريبة على سنها:
"أنا هنا."
وبعدين أشارت للتانية:
"وده… ميرا."
وقفت لحظة.
الأسماء.
مش غريبة… لأ.
كأنهم اتقالوا جوا دماغي قبل كده.
قبل ما أقدر أرد، ست من موظفات الحضانة جريت ناحيتنا بسرعة، وشدّت البنات منها وهي بتضحك بتوتر:
"آسفة يا مدام… هما بيعملوا كده مع أي حد جديد شبه أمهم في الصور."
"صور؟" كررت الكلمة وأنا مش فاهمة.
الست اتلخبطت لحظة، وبعدين قالت بسرعة:
"أيوه… هما بيجوا هنا من فترة قصيرة. يتامى."
يتامى.
الكلمة نزلت عليا تقيلة.
بس اللي بعدها خلاني ما أتحركش من مكاني.
لما الست بصت لي بتركيز أكتر، وشها اتغير فجأة، وقالت بهدوء مش مريح:
"غريب… أنتِ شبه الست اللي كانت في ملف تبنيهم."
سكتت.
والحضانة كلها كأنها اختفت في ثانية.
"تبنيهم؟" قلتها وأنا مش مصدقة.
الست هزّت راسها ببطء:
"أيوه… بس الأم دي اختفت يوم ما المفروض تيجي تستلمهم."
ساعتها بس… حسيت الأرض بتسحبني.
والمرة دي… صوت واحدة من البنات رجع يرن في ودني تاني، وهي بتبصلي من بعيد:
"إنتِ متسبينا ليه يا ماما؟"
وفي اللحظة دي… الموبايل في جيبي رن.
اسم المتصل كان:
دار الأيتام — المنصورة
وبصراحة…
أنا عمري ما كلمتهم قبل كده.إيدي ارتعشت وأنا ببص على الشاشة.
دار الأيتام — المنصورة.
الاسم كان واضح… تقيل… كأنه مش مجرد مكالمة، ده باب بيتفتح غصب عني.
رفعت الموبايل على ودني بصعوبة، وقلبي بيدق بسرعة غريبة.
"ألو…"
صوت ست هادي من الطرف التاني:
"مدام كاميليا؟"
اتجمدت لحظة.
"أيوه… أنا."
سكتت ثانيتين، وبعدين قالت بجملة خلت دمي يبرد:
"إحنا حاولنا نوصل لحضرتك بخصوص البنات… ميرا وهنا."
بصيت ناحية الاتنين.
كانوا واقفين بعيد شوية، ماسكين إيد بعض، وبيراقبوني بصمت كأنهم عارفين كل كلمة بتتقال.
رجعت أبص في الموبايل:
"إيه علاقتي بيهم؟ أنا أول مرة أسمع الكلام ده."
صوتها اتغير شوية:
"حضرتك… إنتِ موقعة أوراق تبنيهم من خمس سنين. في ملف رسمي باسمك."
سكتت.
الكلمة وقفت جوايا.
خمس سنين.
نفس عدد السنين اللي قالوا فيها إن بناتي ماتوا.
بلعت ريقي بصعوبة:
"ده مستحيل… أنا… أنا ولدت توأم وماتوا في المستشفى."
الصوت على الناحية التانية بقى أهدى:
"حضرتك… مفيش أي سجل وفاة باسمك في اليوم ده."
الدنيا حواليّ بدأت تلف.
مش ببطء… لأ… مرة واحدة.
مسكت في الترابيزة وانا بحاول أوازن نفسي.
"إنتِ بتقولي إيه؟"
الست ردت بجملة أخيرة خلت إيدي تقع من على الموبايل:
"اللي عندنا إن التوأم ما ماتوش… اتسحبوا من المستشفى قبل ما تتشاف
أي أوراق وفاة… وبعدين اتسلموا لدار الأيتام… وبعدين اختفوا… لحد ما ظهروا هنا عندنا من تلات شهور بس."
سكتت.

تم نسخ الرابط