بنت عمي بقلم زيزي
كانت بتاعتي زمان
واقفة فاضية حتى ريحتي كأنها اتشالت منها.
ماما دخلت ورايا
إنتي بتقولي إيه؟ تمشي فين؟ إحنا عيلة!
ابتسمت ابتسامة صغيرة مرة.
عيلة؟
سكتت لحظة، كأن الكلمة نفسها غريبة عليا دلوقتي.
أخويا دخل وهو متعصب
إنتي مكبرة الموضوع بشكل مستفز!
بصيت له بهدوء
مش أنا اللي كبرت الموضوع أنتم اللي صغرتوني جواه.
بنت عمي كانت واقفة على الباب، ساكتة لأول مرة مفيش دموع ولا تمثيل.
ماما قربت مني خطوة
لو في حاجة مضايقاكي، نتكلم نحلها بس متعمليش كده!
هزيت راسي
اتكلمنا سنين وإنتي كنتي بتسمعي من غير ما تسمعي.
سكتت.
ساعتها بابا دخل، صوته كان أخشن
كفاية بقى الكلام ده ملوش لازمة.
بصيت له مباشرة
بالنسبالي ليه لازمة لأنه آخر مرة هسمع فيه نفسي وأنا هنا.
الجو اتجمد.
كنت خلاص شيلت الشنطة الصغيرة.
مش
ماما قالت بصوت مكسور
إنتي هتضيعي مستقبلك عشان لحظة زعل؟
ابتسمت بس المرة دي ابتسامة حقيقية لأول مرة
أنا بضيع نفسي لو فضلت هنا.
سكتوا كلهم.
الهدوء كان تقيل
كأن البيت نفسه مش فاهم بيحصل إيه.
لفيت ناحية الباب
وخطوت خطوة.
أخويا قال فجأة
يعني خلاص؟
ما بصيتش ورايا.
بس قلت
آه خلاص.
نزلت السلم ببطء
وكل خطوة كانت بتقفل فصل كامل من حياتي.
ولما خرجت من الباب
الهوا كان مختلف.
مش دافي زي جو البيت
بس كان حقيقي وقفت قدام الباب ثواني
مش عشان أرجع لكن عشان أصدق إني فعلاً خرجت.
الشارع كان هادي بشكل غريب، كأنه بيستقبلني من غير أسئلة.
سحبت شنطتي الصغيرة وبدأت أمشي.
ورايا مفيش صوت.
ولا نداء.
ولا حتى محاولة أخيرة.
وده كان أوجع من أي صريخ.
وصلت أول ناصية شارع
وقفت أتنفس
موبايل اهتز في إيدي.
رسالة من ماما
إنتي بتعملي في نفسك إيه؟ ارجعي وهنحل كل حاجة.
قريت الرسالة مرة وبعدين قفلت الشاشة.
من غير رد.
مش عشان قاسية
بس لأن الكلام ده اتقال قبل كده كتير.
وفي كل مرة مكنش بيتغير حاجة.
كملت مشي.
كل خطوة كانت بتبعدني عن البيت
وفي نفس الوقت بتقربني من حاجة أنا ماعرفتهاش قبل كده
إني أختار نفسي.
وصلت محطة صغيرة.
وقعدت على كرسي حديد قديم.
بصيت للسما
كانت عادية جدًا بس أنا شايفاها لأول مرة بشكل مختلف.
مشيت جنبي عربيات ناس رايحة جاية
والحياة مكملة عادي.
بس جوايا كان في حاجة بدأت تهدى.
موبايل رن تاني.
أخويا.
فضل يهتز في إيدي ثواني
وبعدين سكت.
ومجرد ما سكت
حسيت إني أخف.
فتحت الشنطة
مسكت الصورة القديمة ليا وأنا صغيرة.
نفس الابتسامة اللي رجعتلي فجأة.
همست
ممكن أبدأ تاني بس بعيد.
وقمت.
ركبت أول عربية جاية.
ومع أول حركة للعربية وهي ماشية
ما بصيتش ورايا العربية بدأت تتحرك ببطء
والبيت اختفى من الشباك واحدة واحدة، لحد ما بقى مجرد نقطة صغيرة وبعدين اختفى تمامًا.
ساعتها بس حسّيت إن في حاجة اتفكت جوايا.
مش ألم بس كمان ثقل سنين كاملة.
فتحت الموبايل تاني.
رسائل كتير مكالمات مفقودة اسم ماما، أخويا، وبنت عمي.
قفلت كل حاجة من غير ما أفتح ولا رسالة.
المرة دي مفيش شرح مفيش تبرير ومفيش محاولة إن حد يفهم.
السواق بصلي في المراية
رايحة فين؟
سكتت لحظة وبعدين قلت
لسياتل.
ضحك بخفة
بداية جديدة؟
ابتسمت
أخيرًا.
العربية كانت ماشية بين شوارع طويلة
والشمس داخلة من الشباك بشكل هادي.
ومع كل كيلومتر كنت ببتعد فيه
كنت بحس إني بقرب من نفسي أكتر.
آخر لقطة
مش البيت ولا صوتهم
لكن صوتي أنا وأنا بقول بهدوء لأول مرة
أنا مش هبقى زيادة في حياة حد تاني تاني.