طالب فقير بقلم زيزي
طالب غلبان وافق يرعى ست كبيرة في السن بس علشان الفلوس… لكن لما ماتت، اكتشف إن كل كوباية مية، وكل شُربة سخنة، وكل ليلة سهرها جنبها… كانوا مكتوبين في وصيتها 😮🥹❗
— هديلك ٣٠٠ جنيه في الليلة يا ابني… أنا بس عايزة حد ما يسبنيش لوحدي.
ده كان كلام الحاجة أمينة أول ما دخلت بيتها في حي قديم.
كنت بدرس تمريض الصبح وبغسل أطباق في مطعم بالليل.
وافقت من احتياج…
مش من طيبة قلب.
كانت عايشة لوحدها، مع تلفزيون قديم، و٣ قطط رفيعة، وصورة جواز متربة.
ولادها عمرهم ما كانوا بيزوروها…
بس كانوا بيتصلوا يسألوا إذا كانت مضت على ورق ولا لأ.
في الأول، كنت بعمل الأساسيات بس.
أديها دواها…
أسخن لها الشوربة…
أغير لها الملاية.
بس في فجر يوم، سمعتها بتعيط بهدوء.
— تعبانة يا حاجة أمينة؟
مسكت إيدي وضغطت عليها.
— الوجع مش في جسمي… الوجع إني لسه عايشة ومفيش حد مهتم.
من الليلة دي، بطلت أشوفها شغل.
جبت لها عيش حلو…
شغلت لها أغاني زمان…
كنت بسرّح شعرها قبل المواعيد…
وجبت لها بطانية صغيرة من السوق من فلوسي.
صحابي كانوا بيضحكوا عليا.
— إنت أهبل يا محمود… الست دي ما عندهاش حاجة.
بس الحاجة أمينة كان عندها حاجة.
كان عندها الوحدة.
وأنا عارف الإحساس ده كويس.
بعد ٣ شهور، ماتت وهي نايمة.
ولادها جم متأخر…
بس جم لابسين أسود، وريحتهم برفان
كنت واقف في المطبخ بغسل الكوباية اللي كانت بتشرب فيها الشاي.
— تقدر تمشي دلوقتي — بنتها قالتلي — شغلك خلص.
مشيت من غير ما أتكلم.
بعد أسبوع، محامي كلمني.
كان على مكتبه علبة خشب مكتوب عليها اسمي.
جواها كان فيه جواب.
الخط كان مهزوز.
“يا محمود، إنت جيت علشان الفلوس… بس كملت علشان قلبك.”
عيني دمعت.
المحامي طلع ظرف تاني.
— الحاجة أمينة سابت تعليمات واضحة جدًا.
وفجأة دخلوا ولادها التلاتة، متعصبين.
— الواد ده مالوش أي لازمة! — واحد فيهم زعق.
المحامي بص له وقال:
— بالعكس… بالنسبة لأمكم، هو الوحيد اللي اتصرف كأنه أهل.
فتح الورقة…
وأول ما قرا أول سطر في الوصية، وش البنت الكبيرة شحب.
علشان الحاجة أمينة ما سابتليش فلوس بس…
دي سابتلي سر متخبي بقاله ٤٠ سنة.
سر بدأ باسمي الأخير…
وانتهى باسم الراجل اللي طول عمري فاكره أبويا.المحامي عدّل نضارته وبص في الورق تاني، وصوته بقى أهدى… بس تقيل:
— "تقرّ الموصية، أمينة عبد الجليل، إن محمود… ليس غريبًا عنها، بل هو امتداد لحق قديم سُلب منها."
سكت لحظة… وأنا قلبي بيدق بسرعة.
— "وتوصي بإعطائه ما يثبت الحقيقة… كاملة."
ابنها الكبير خبط بإيده على الترابيزة:
— يعني إيه الكلام ده؟!
المحامي فتح الظرف التاني… وطلع ورق قديم مصفر، عليه ختم حكومي.
— دي أوراق
بصيتله باستغراب:
— وأنا مالي؟
رفع عينه ليّا وقال:
— البيت ده كان ملك جدك… واتسحب من عيلتكم ظلم من ٤٠ سنة.
حسيت الدنيا بتلف…
— جدي؟! بس… أبويا عمره ما قال حاجة!
المحامي هز راسه:
— لأن أبوك ماكنش يعرف الحقيقة كلها.
وقتها، بنت الحاجة أمينة قالت بعصبية:
— ماما مالها ومال العيلة دي أصلاً؟!
المحامي رد بهدوء:
— لأن والدتكم… كانت شاهدة على كل حاجة.
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
— وهي الوحيدة اللي حاولت تصلّح الغلط… بس بعد ما فات وقت طويل.
مدّلي الورق… وإيدي كانت بتترعش.
فيه عقد قديم، وصورة لراجل واقف قدام بيت… نفس ملامحي تقريبًا.
وتحت الصورة مكتوب:
"الحاج عبد الرحيم… المالك الأصلي."
بلعت ريقي:
— ده… جدي؟
المحامي أومأ:
— أيوه. واتكتب في الوصية إنك أحق واحد ترجّع الحق ده.
ابنها التاني ضحك بسخرية:
— يعني إحنا نسيب كل حاجة للواد ده؟!
المحامي قفل الملف بهدوء:
— لا… أنتوا ليكم نصيبكم.
بس البيت ده… حق مش ورث.
ساعتها افتكرت كل ليلة قعدت فيها معاها…
كل مرة كانت تمسك إيدي كأنها عايزة تقول حاجة ومش قادرة.
يمكن كانت مستنية اللحظة دي.
خرجت من المكتب والورق في إيدي… وأنا مش نفس الشخص اللي دخل.
مشيت في الشارع القديم… لحد ما وصلت قدام بيت مهجور.
نفس البيت اللي في الصورة.
وقفت قدامه… وإحساس غريب
حطيت إيدي على الباب الخشب…
ولأول مرة، حسيت إن تعبي… ما راحش على الفاضي.
يمكن أنا جيت علشان الفلوس…
بس طلعت بحاجة أغلى بكتير.
رجّعت اسم…
وحق…
وحكاية كانت هتتدفن لوحدها…
زيها بالظبط.وقفت قدام البيت شوية… وبعدين خبطت على الباب كأني مستني حد يفتح.
طبعًا محدش رد… المكان كان مهجور من سنين.
بس الغريب؟
المفتاح… كان في جيبي.
افتكرت ساعتها… الحاجة أمينة كانت إدّتني مفتاح قديم قبل ما تموت بيومين، وقالتلي:
— "خليه معاك… يمكن تحتاجه."
ماكنتش فاهم وقتها تقصد إيه.
دلوقتي… فهمت.
دخلت المفتاح في القفل…
ولأول مرة، الباب فتح بسهولة… كأنه مستنيني.
التراب كان مالي المكان، وريحة الزمن القديم في كل ركن.
مشيت جوه ببطء… لحد ما وصلت لصالة كبيرة فيها نفس الكرسي اللي في الصورة.
قعدت عليه… وإحساس غريب سيطر عليّ.
كأني رجعت لحكاية أنا ماعشتهاش… بس جوايا.
وبينما أنا ببص حواليا… لمحت صندوق خشب صغير تحت الترابيزة.
فتحته…
لقيت جواه جواب تاني.
قلبي دق أسرع… وفتحته بإيد مرتعشة.
"يا محمود…
لو وصلت لهنا، يبقى أنت فهمت إن الحق عمره ما بيضيع، بس ممكن يتأخر.
البيت ده كان شاهد على ظلم كبير…
وأنت دلوقتي شاهد على رجوعه.
أنا ماقدرتش أواجه الحقيقة زمان…
بس إنت قدرت ترجعها من غير ما تطلب حاجة.
علشان كده…
فيه
مش فلوس…
ولا دهب.
حاجة أهم…
هتعرفك أنت مين بجد."
وقفت فجأة… وبصيت حواليّا.
— "حاجة تانية؟!"