طالب فقير بقلم زيزي
قلبت المكان… أوضة أوضة… لحد ما وصلت لأوضة مقفولة في آخر الطرقة.
الباب كان تقيل… بس اتفتح.
دخلت…
وكانت المفاجأة.
الأوضة مش فاضية.
كانت متجهزة…
مترتبة…
كأن حد لسه عايش فيها.
وعلى السرير…
كان فيه ملف كبير، مكتوب عليه اسمي كامل:
"محمود عبد الرحيم".
قعدت على طرف السرير وفتحته…
جواه شهادات قديمة… صور… ورق رسمي…
وفجأة…
وقعت عيني على شهادة.
شهادة تخرج.
الاسم: عبد الرحيم محمود عبد الرحيم
نفس اسمي…
بس بتاريخ من ٤٠ سنة.
بلعت ريقي بصعوبة…
وفي آخر الملف، كان فيه جواب صغير.
فتحته بسرعة…
"إنت مش بس رجّعت حق عيلتك…
إنت كمان كملت طريق كان لازم يتكمل.
التمريض… مش اختيارك لوحدك.
ده طريق اتسرق من حد قبلك…
وأنت رجعته من غير ما تعرف."
سكت… ودموعي نزلت.
فهمت ساعتها…
أنا ماكنتش صدفة.
ولا شغلي معاها كان صدفة.
ولا حتى الطريق اللي اخترته.
كل حاجة كانت بترجع لحاجة أقدم…
حاجة اتقطعت… وأنا كملتها.
قفلت الملف… وبصيت حواليّا.
المكان بقى ليه معنى.
مش مجرد بيت…
ده بداية.
ومن يومها…
مابقيتش مجرد طالب بيدور على فلوس.
بقيت حد…
بيرجع حقه…
وبيكمّل حكاية بدأت قبل ما يتولد بسنين.قعدت لحظات ساكت… مش قادر أستوعب اللي قدامي.
الملف بين إيديا
قمت من على السرير وبدأت أفتش الأوضة تاني، المرة دي بعين مختلفة.
مش بدور على ورق… بدور على معنى.
خلف الدولاب القديم، لقيت لوح خشب مش ثابت في الأرض.
رفعته بإيدي بصعوبة… وظهر تحته درج معدني صغير.
فتحته…
جواه مفتاحين، وخريطة مرسومة بإيد مهزوزة.
الخريطة مش للبيت بس…
دي للحي كله.
وفي نصها علامة دايرة حوالين مكان مكتوب عليه:
“المخزن القديم”.
قلبي دق.
أنا عمري ما سمعت عن مخزن في الحتة دي.
طلعت من البيت بسرعة، والمطر بدأ ينزل خفيف كأنه بيغسل التراب عن كل حاجة قديمة.
المخزن كان على بعد شارعين… باب حديد صدئ، مقفول بسلسلة.
طلعت المفتاح الأول… جربته… ما اشتغلش.
التاني… دخل بسلاسة.
الباب اتفتح بصوت صرير طويل…
جوا كان ضلمة، ريحة خشب قديم وورق محبوس سنين.
ولما نورت بكشاف الموبايل…
اتجمدت مكاني.
كان فيه ملفات… عشرات الملفات… مرتبة كأن حد مستني يوم ييجي يفتحهم.
على كل ملف اسم… وتاريخ… وتوقيع الحاجة أمينة.
قربت أفتح واحد…
ولقيت داخله شكاوى رسمية، وأوراق قضايا قديمة، ومحاضر ضد ناس كبار في الحي.
كلها تخص نفس الموضوع…
أرض وبيت اتسحبوا
وفجأة… سمعت صوت خطوات برا المخزن.
وقفت بسرعة وقلبت الموبايل على الإضاءة الخافتة.
صوت رجل كبير:
— “كنت عارف إنك هتوصل هنا…”
اتجمد الدم في عروقي.
طلع من الضلمة راجل مسن، لابس جلابية قديمة، ووشه مألوف بشكل غريب.
بصلي وقال بهدوء:
— “أمينة ما ماتتش بس وسيبت وصية… دي كانت بتجهز لليوم ده.”
بلعت ريقي:
— “إنت مين؟”
ابتسم ابتسامة تقيلة:
— “أنا اللي كنت شريكها في أول محاولة نرجّع الحق… وفشلنا.”
سكت لحظة وبص للملفات:
— “وإنت دلوقتي آخر فرصة.”
قرب مني، وحط إيده على كتفي:
— “يا محمود… الحاجة أمينة ما كانتش بس بتخدمها.”
— “كانت بتختارك.”
سألته بصوت مهزوز:
— “تختارني لإيه؟”
بص حوالينا وقال:
— “علشان تكمل المعركة اللي هي بدأتِها… وترجع الأرض لأصحابها الحقيقيين.”
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت صفارات بعيد.
هو بصلي بسرعة:
— “واضح إنهم عرفوا إن المخزن اتفتح…”
شدني من إيدي:
— “لو اتقفشت هنا، كل حاجة هتضيع.”
وبين صوت الخطوات اللي بتقرب… والضلمة اللي بتضيق حوالينا…
افتكرت آخر جملة في وصية الحاجة أمينة:
“فيه أمانة مش ورق… فيه أمانة لازم تتسلم بإيد حية.”
ونظرت للرجل… وقلت:
— “طيب… أبدأ منين؟”بصلي الراجل الكبير
— “تبدأ من إنك ما تهربش…”
صفارات الشرطة قربت أكتر، وصوت رجالة بتجري حوالينا بقى واضح.
شدّني من إيدي وفتح باب خلفي في المخزن:
— “اخرج من هنا… وخد الملف ده.”
حط في إيدي أكبر ملف في النص، ملف عليه ختم قديم.
— “ده أهم حاجة… لو ضاع، كل اللي أمينة عملته هيروح.”
بصيت له:
— “وأنت؟”
ابتسم ابتسامة هادية:
— “أنا دوري خلص من زمان… الدور دلوقتي عليك.”
وقبل ما أرد، زقّني برا الباب الخلفي.
لقيت نفسي في شارع ضيق، المطر بيزيد، وصوت الجري جوا المخزن.
جريت من غير ما أبص ورايا.
مش عشان خايف…
بس عشان لأول مرة… حاسس إن لازم أكمل.
—
بعد أيام…
الموضوع اتفتح في النيابة.
ملفات المخزن طلعت أدلة هزّت ناس كبيرة في الحي، وبدأت قضايا ترجع حقوق اتسلبت سنين.
وأنا؟
ماكنتش مجرد شاهد.
كنت البداية.
البيت القديم رجع يتسجل باسم الورثة الحقيقيين، والحق اللي اتدفن سنين… ابتدى يرجع واحد واحد.
—
وفي يوم هادي… رجعت وقفت قدام بيت الحاجة أمينة.
نفس الباب… نفس الصمت… بس إحساس مختلف.
لقيت على الباب ظرف صغير.
مكتوب عليه اسمي.
فتحتُه…
كان فيه سطر واحد بس:
“دلوقتي تقدر تقول إنك ما جيتش علشان الفلوس… ولا علشان الصدفة…
إنت
رفعت عيني للبيت… وابتسمت.
المرة دي… مش حكاية اتقفلت.
دي حكاية اتسلمت.