وصلت فيولا بقلم زيزي
وصلت ڤيولا لمكتب الطلاق وهي شايلة ابنها اللي لسه مكمل ١٢ يوم بين دراعاتها.
ماكانتش حاطة ميك أب، ولا لابسة دهب، ولا حتى ملامحها كانت ملامح ست مكسورة رغم إن كل اللي حواليها كانوا متوقعين يشوفوها منهارة.
كان كريم هناك، قاعد بثقة، لابس بدلته، وباصص في ساعته كأنه جاي يخلص ورق شغل عادي.
بس ڤيولا ما اتوسلتش.
دخلت وهي ماسكة ملف.
وجوّه الملف كانت الحقيقة.
من ١٢ يوم بس، ولدت لوحدها.
كريم ما ظهرش في المستشفى. قال إن عنده شغل مهم، وإنها مبالغة عشان كل الستات بتولد.
ڤيولا وقتها كانت بين الطلقات. إيديها بتترعش من الوجع. اتصلت بيه مرة واتنين وعشرة
ولا رد.
وابنهم اتولد قبل الفجر بشوية. صغير دافي وبيعيط بصوت ضعيف.
ولما الممرضة حطّته على صدرها، ڤيولا عيطت مش بس من الفرحة.
لكن من الوجع.
وجع إنها جابت طفل للدنيا وهي حاسة إنها لوحدها تمامًا.
بعد ٣ أيام، كريم رجع البيت. وفي إيده كيس حفاضات، كأنه شايف إن ده كفاية.
أول ما واجهته بغيابه، اتنهد بضيق وقال إنتِ مكبرة الموضوع أوي.
بصتله ڤيولا بعدم استيعاب.
كنت بولد ابنك يا كريم.
رد ببرود وأنا كنت بحاول أحافظ على شغلي عشان أصرف عليكم.
سكتت لحظة لكن جواه كان بيتكسر.
الموضوع ما وقفش عند الغياب.
كريم ابتدى يقول إنها متعبة نفسيًا بعد الولادة. وإنها بتبالغ. وإنها مش قادرة تتحكم في أعصابها.
وفي كل خناقة، كان يكرر نفس الجملة لو سبنا بعض، محدش هيديكي طفل.
ڤيولا كانت ساكتة وابنها نايم على صدرها.
لكن في اللحظة دي فهمت الحقيقة.
كريم مش عايز يطلق بهدوء.
كان عايز يطلع هو الراجل المثالي وهي الأم المختلة اللي ما تعرفش تربي.
بس اللي ماكانش يعرفه إن ڤيولا بطلت عياط.
وبدأت تركز.
في الأيام اللي بعدها، وهو فاكر إنها غرقانة وسط الرضاعة والحفاضات كانت
رسايل. تحويلات. تقارير. ومستندات تثبت إن كريم كان بيحوّل فلوس من حسابهم المشترك لحساب تاني باسمه قبل الولادة بفترة
وكان بيجهز كل حاجة من وراها عشان يخرج من الجواز بأقل خساير ويسيبها هي والطفل من غير أمان ويوم جلسة الطلاق
ڤيولا دخلت المحكمة بهدوء غريب.
لا كانت بتعيط ولا حتى باين عليها الانهيار اللي كريم كان مستنيه.
كانت شايلة ابنها الصغير، وضمّاه لصدرها كأنها مستمدة قوتها منه.
أما كريم، فكان داخل واثق زيادة عن اللزوم. واقف مع المحامي بتاعه، بيتكلم بصوت عالي، وكل شوية يبص لڤيولا بنظرة فيها شفقة مستفزة.
كأنه بيقول إنتِ خلصتي.
أول ما بدأت الجلسة، محامي كريم اتكلم بثقة موكلي يطلب حضانة مشتركة، لأن الأم حالتها النفسية غير مستقرة بعد الولادة، وعندنا ما يثبت إنها غير مؤهلة تتحمل مسؤولية طفل بمفردها.
ڤيولا ما ردتش.
حتى القاضي لاحظ هدوءها.
كريم كمل تمثيله وقال بصوت هادي أنا حاولت أستحمل ظروفها لكن هي عصبية جدًا ومش متزنة، وأنا خايف على ابني.
هنا رفعت ڤيولا عينيها لأول مرة.
وبصتله نظرة خلت كلامه يقف في زوره.
بعدها بهدوء طلعت الملف وحطّته قدام القاضي.
حضرتك، أنا معايا مستندات تثبت إن الأستاذ كريم كان بيخطط ينقل كل فلوسه وحساباته قبل الولادة بأيام، عشان يخرج من الجواز من غير أي التزامات تجاهي أو تجاه ابنه.
وش كريم اتشد فجأة.
المحامي بتاعه حاول يقاطع الكلام ده ملوش علاقة بالحضانة.
لكن ڤيولا طلعت ورقة تانية.
ودي تحويلات من الحساب المشترك اتسحبت وأنا في الشهر التاسع، من غير علمي.
القاضي أخد الورق يقلب فيه وملامحه بدأت تتغير.
أما كريم، فابتدى يفقد هدوءه لأول مرة.
ڤيولا كملت بصوت ثابت وعندي كمان تسجيل بصوته، وهو بيقول لصاحبه إنه هيخليني أبان مختلة عشان
الصمت نزل على القاعة كلها.
حتى المحامي بتاع كريم اتوتر.
كريم قام فجأة بعصبية التسجيل ده متفبرك!
لكن ڤيولا شغّلته.
وصوته اتملّى في القاعة بوضوح
هي تعبانة أصلًا بعد الولادة أي دكتور يقدر يطلعها غير مستقرة، وساعتها الطفل يبقى معايا.
في اللحظة دي اللون اختفى من وشه.
القاضي بصله بحدة، وقال إنت كنت بتحاول تستخدم حالتها الصحية ضدها؟
كريم اتلخبط. ولأول مرة ماعرفش يرد.
أما ڤيولا، فحضنت ابنها أكتر، وقالت بهدوء موجع
أنا كنت بولد ابنه وهو كان بيخطط ياخده مني القاعة كلها سكتت.
حتى صوت التكييف كان مسموع من كتر التوتر.
كريم بص حواليه بسرعة، كأنه مستني حد ينقذه، لكن نظرات الناس اتغيرت تمامًا. من شفقة لاستنكار.
المحامي بتاعه حاول يتدخل بسرعة يا فندم، موكلي كان تحت ضغط نفسي ومادي، والكلام اتقال في لحظة غضب
لكن القاضي قاطعه بحدة التخطيط لسحب الأموال وتشويه صورة أم طفل حديث الولادة مش لحظة غضب.
ڤيولا كانت واقفة مكانها بثبات غريب. رغم إنها من كام يوم بس كانت بالكاد قادرة تقوم من السرير.
ابنها اتحرك بين دراعاتها وابتدى يعيط بصوت خفيف.
في اللحظة دي كل التوتر اللي في القاعة اختفى للحظة.
ڤيولا هزّته بحنان تلقائي، وبصتله بنظرة مليانة تعب وحب وخوف.
القاضي لاحظ ده.
ولاحظ حاجة أهم
إن الست اللي جوزها بيحاول يصورها مختلة وغير مؤهلة كانت أهدى شخص في المكان كله.
أما كريم فابتدى يتوتر أكتر.
فجأة قال بعصبية يعني أنا بقيت وحش عشان كنت خايف على مستقبلي؟! هي أصلًا كانت طول الوقت بتضغط عليا!
ڤيولا بصتله للمرة الأخيرة وبعدين قالت بهدوء كسر أي محاولة تمثيل
أنا ما طلبتش منك غير إنك تكون أب.
الكلمة نزلت عليه كأنها صفعة.
وسكت.
القاضي قفل الملف قدامه وقال المحكمة هترفض طلب الحضانة
كريم شهق بصدمة إيه؟!
لكن القاضي كمل بصرامة وكمان هيتم مراجعة التحويلات اللي تمت من الحساب المشترك.
هنا وش كريم ابيضّ تمامًا.
لأول مرة حس إنه ممكن يخسر فعلًا.
مش القضية بس
صورته.
أما ڤيولا، فما قالتش أي كلمة زيادة.
شالت شنطتها بهدوء، وعدلت البطانية حوالين ابنها، ولفّت تمشي.
وهي خارجة، سمعت كريم بينادي عليها ڤيولا استني.
وقفت ثانية من غير ما تبصله.
صوته كان مختلف المرة دي. مش متكبر. ولا واثق.
خايف.
إنتِ إنتِ كنتِ مخططة لكل ده؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة، وقالت
لا يا كريم أنا بس بطلت أخاف منك ڤيولا نزلت درجات المحكمة ببطء، وابنها نايم على كتفها.
إيديها كانت بتترعش من التعب لكن قلبها لأول مرة من شهور كان هادي.
وراها، كريم خرج بسرعة وهو بينادي عليها ڤيولا! لازم نتكلم.
وقفت لحظة بس ما بصتلوش.
جري ناحيتها، وملامحه متغيرة تمامًا. الغرور اللي كان مالي وشه اختفى، وحل مكانه توتر وخوف واضح.
إنتِ فاهمة إيه اللي هيحصل لو الموضوع كبر بالشكل ده؟!
ردت بهدوء اللي كان لازم يحصل من زمان.
ضغط على سنانه وقال بصوت واطي إنتِ عايزة تدمريني؟
لفتله ببطء. وعينيها كانت مرهقة بشكل يوجع.
وأنا؟ لما كنت بسيب ابني يعيط وأعيط معاه لوحدي بعد الولادة كنت بتعمل فيا إيه؟
كريم سكت.
لأول مرة ما لقىش رد جاهز.
ڤيولا كملت كنت كل يوم تحسسني إني ضعيفة. إني ممكن أخسر ابني. إني محتاجاك عشان أعيش. بس الحقيقة؟ أنا كنت بخاف بس.
قرب خطوة وقال بسرعة خلاص نحل الموضوع بينا. من غير محاكم وقضايا.
ضحكت ضحكة صغيرة باهتة.
دلوقتي افتكرت إن بينا كلام؟
اتفاجئ أكتر لما لقاها قوية بالشكل ده. هو كان مستنيها تنهار ترجع تسامح.
لكن الست اللي واقفة قدامه دلوقتي
وفجأة ابنهم الصغير صحي وابتدى يعيط.
كريم مد إيده بتردد هاته
ڤيولا بصت لإيده ثواني.